الجمعة، 20 أبريل 2012

كلمات عبثية

tumblr_m2jnc9aYrl1qi1r4fo1_500

دف يعبث مع ناي يكفيان لكى تنام روحك هادئة، وحيدة، بلا صخب فلسفي، ولا نزاعات وجودية..

هواء خفيف يداعب عيون حبيبتك يكفى ليعزف عود شرقي لحن فردوسي التكوين..

صلاة فى صومعتك على وتر كمنجات العشق الإلهي تكفى لبسمة الرب في ليلة شتوية..

أطراف أصابع تمس وتر وتداعب شعر فتاة بيضاء تكفى ليقول لك الوجود: شكراً..

جسد أنثوي يعزف لحناً وحيداً حين يتعرى أمام مرآة كافياً لتقول له الحياة: شكراً..

صدر امرأة في فم طفل ساعة الاغتراب تكفى ليقول لك الذين ماتوا: متى؟

وقفات بين سلمُ موسيقي وأخر تكفى لتنسى همومك الوجودية وتقول للبصيرة: نوماً هانئاً..

نور يفيض من قلبك حين ترى حبيبتك تكفى ليقول لك الليل: شكراً..

بسمة من عيني حبيبتي تكفى ليقول لي قلبي: شكراً..

دمعة من عيني تكفي ليقول لي أبي: شكراً

ضحكة من طفلة تكفي ليقول الموت لنا: شكراً


Share/Bookmark

الجمعة، 13 أبريل 2012

أنا العاشق السئ الحظ

tumblr_m2cirjTDhX1qe5gy7o1_500

أنا العاشق السئ الحظ.

                                        محمود درويش

أحلق بجناحي نقطتي تاء التأنيث، نقطة فوق جناحي الأيمن وأخرى نائمة على جناحي الأيسر، لاتنفذ منهما واحدة لتوجع قلبي، اختارتا التحليق حولي، وأبيتا القرب من قلب جريح، عما قليل سيلفظ أنفاس أخر حب تعلق به.

كنت صريعاً لحب قديم، اخترت أن أكون عاشقاً قديماً لصديقة حرة، وحدها تملك الاختيار، وقلبي معلق بوثاق طرزته من خيوط شعرها.

تجلت لي على حافة كوخ ترتاح فيه الملائكة، أشارت بيدها، اقتربت، وكلما اقتربت تعلقتُ، وكلما تعلقتُ، أضاءت عيناها الكون، حتى غدوت أسيراً لنور عينيها.

مشيت على منحدر الصداقة خشية أن أسقط في هاوية الحب مرة أخرى، فضحكت الملائكة في كوخها وقالت: ما الصداقة إلا جسر يمر عليه الحبيب إلى قلب حبيبه.

غير أنني مشيت مغروراً بتجارب قديمة، راوغت كل عثرات الحب، قفزت من حُلم إلى حُلمٍ، ومن عين إلى عين، فهويت في بئر عينيها، كبلتني بابتسامة خفيفة تعرف طريقها إلى الفردوس بغير إذن إلهي.

لاحت منها تجليات إلهية ككلمات الرب تحمل أوجه عدة، خضت في تفسيرها، ولم أعبأ بضحايا الحب من قبلي، فسرتُ كلماتها بما يوافق هواي، والرب لا يحب من يمشى خلف هواه، وكانت هى تحب الرب، وكان هو يحبها، فألقى فيها كلمات لا تحمل سوى تفسير واحد: لاتقربي الشيطان، إنه كان عاشقاً قديماً.

كانت هي عقاب إلهي لأخريات مضوا، كانت جند إلهي ينفذ مشئية الرب في قلب جريح، كانت ظل لبطش الحياة بكل الطيبين.

وودت لو همست لها: سأكون طيباً لكي تحبيني لا ليحبني الرب، فنحن نخوض حروباً قديمة، كلانا لايُهزم فيها، وكلانا لا ينتصر، سأصير يوماً طيباً، وسيمنحنا الرب يوم حق الحب.

بعدما أوجعتني، فَهِمتُ، والفهم يوجع كما الحقيقة، فالرب حين أخفى جنوده كان يعلم أن الجندي الخفي أكثر إيلاماً من الجندي القاتل.

كان قلبي جندي مخلص لربه، سار خلفها، وسرتُ خلفه بغير إرادة مني. كانا قد عقدا اتفاقاً سرياً: تتجلى ابتسامتها فيعشقها، فأسير خلفه، فيوجعني، فيضحك الرب.

إنها قمة السخرية أن توجع بالشئ الذي يفرح الآخرين.

عجيب هو الحب، يفرح به الذين في قلوبهم مرض، بينما المخلصون يألمون كما لم يألم الذين عشقوا من قبلهم.

وحيد ولدتُ على غفلة من الدنيا، ووحيدُ سأغادر دنياها بغير التفاتة منها لترثيني بكلماتها، سأظل وحدي هنا، فأناي وحدها أخلصت لي في خضم معاركي مع الرب، ولم تأسف.

الآن سأعلن هزيمتي، سألقي بسلاحي الذي يوجعني، الآن أرفع رايتي بيضاء لأسلم قلبي لها، بضع سنتيمترات تكفي ليرقد هانئاً بإرضاء الرب وهزيمتي.

تراودني صورتها الآن، تقف ممسكة بورقة صغيرة، وبصوت واثق: أنعى إليكم قلباً لم يكن يوماً مخلصاً، أنعى إليكم حباً فاشلاً، أنعى إليكم عقلاً متمرداً، وجسداً غارقاً في لذة الحياة.

لن أبكى، ولن أضحك، سأتبسم لأني سمعتها، فصوتها مازال يوقظني من موت الحياة.

سأصفق لها من بين جمهورها، وأصرخ بكل مافي من قوة: سيدتي، أنا العاشق السئ الحظ.


Share/Bookmark

الجمعة، 30 مارس 2012

العاشق المصلوب!

 

tumblr_ll9ajyTubl1qiadk4o1_r2_500 قال الطبيب: لاشئ في قلبك سوى الكون.

قلت: أوكلما التقى عاشقان يوجعني قلبي.

قال: بل كلما افترق عاشقان اهتز قلبك.

على درب الحب بين امرأتين أسيرُ مضطرباً، محمل بثقل هواجس اللقا والافتراق. بين نقطة وداع ليست بعيدة ولحظة قربُ ليست قريبة، أركض داخلي لأحس هشاشتي، أستشعر ضعفي نحو إمرأة فارقتها وامرأة أتقرب إليها.

سأركض وحيداً بعيداً عني لأرغم القدر على أن يسير معي على حافة الحب، وأظل أصارع القدر بكل شظايا قلبي لأملك طريق الصعود إلى قلب امرأة ربما لا أعجبها.

بينهما تشابه كبير إلى حد لا معقول، لكل واحدة غمازتين يرقد عليهما ملاك يحسب ضحاياهما، كنت ضحية إحداهما، واليوم أشرد خلف واحدة أخرى، أهو تعلق بالغمازتين أم رغبة فى الانتحار على شفتي امرأة؟

مفتون قلبي بابتسامة المرأة خاصة تلك التى تملك غمازتين ينزوى الكون خجلاً منهما، أفتش فى وجوه النساء المبتسمة لعلي أجد بينهما ابتسامة مَنْ فارقتها، فتشردني ابتسامة مَنْ أتودد إليها فاتنة تخطف قلبي كلما تبسمت، ترهقني كلما حدقتُ في شمس وجهها.

هل أبحث عن امرأة فى أخرى ؟

قالت وهى طيف القمر فى امرأة:

لا تبحث عن حبيبتك فى امرأة أخرى.

قلتُ: مؤمن أنا بحبيبتي لا أشرك بها أخرى.

قالت: لعلك قاتل نفسك على أثارها.

قلتُ: سأقتل نفسى فى أخرى لأنساها.

قالت: بل ستحب أخرى لتنسى لسعة الحب القديم.

كانت تتنبأ بشئ ما راقد فى صحائف الغيب، تحس المرأة بالغيب كما الآلهة، ربما لأنهن خلقن من نور سماوي، أو لأن حواء الأم أخرجتها المعرفة وحبها من الفردوس السماوي.

أعود إلى بدء حيرتي، كيف أهرب من طريق حب امرأة لأسلك طريقاً أخر إلى حب أخرى؟ كيف أغزو قلب امرأة لا أعرف ماضيها؟ كيف أثقل قلبي بأثقال حب جديد وهو مازال ينزف حباً قديماً؟

أحاول أن أدرب قلبي على الحب خفية، ألا أوجعه بغمازة امرأة لا تعرف ضحاياها، إلا أنه يصر على المضى قدماً إلى الموت حباً.

أتوق إلى ذراع امرأة أحط عليه رأسى وألقى عليها هواجسي وظنوني، أتوق إلى لمسة من يدها تعيد إلي إيماني، أتوق إلى شفتي امرأة تبعث في ما مات مني، أشتاق إلى عيني امرأة تذبحني لأصرخ فيها: أحبك.

الحلم ليس جناية إلا فى بلاد العرب، فماذا يضير الناس لو مسست يدها، وقبْلت غمازتيها، وقلت: أحبك أكثر وأكثر.

الحب كالموت كلاهما يباغتنا عند حافة السكون، نحب حين تموت أرواحنا لتحيا أرواح مَنْ نحب، ونموت مرة أخرى ليحيا أحباء أخرون عما قليل سيعشقون ريثما تنتهى حبيبتي من جنازتي.

الحب أمرُ جنوني، أن تخرج من ذاتك إلى ذات أخرى لتسيرا معاً وحيدين فى صخب الكون، أن تؤمن بامرأة واحدة لاتشرك بها شيئاً، أن تغفر لها ولا تغفر لك، أن تحبها وتحب كلماتك، وربما لا تحب كلماتك، بل تحب أن تنسى فيك رجلاً أخر.

لا أريد أن أنزل من صليب امراة، لأعلق على صليب أخرى، فلست مسيح الحب، ولست مبشراً قلبي بموت جديد، خفيفاً سأمشى إلى مثواي بلا تدابير مرهقة للملائكة.


Share/Bookmark

الأربعاء، 14 مارس 2012

حلمُ خفيف مع درويش!

darwish قال الطبيب: عليك أن تكف عن التدخين، وسماع درويش.

قلتُ: لِمَ ؟

قال: كلاهما يوجع القلب.

ودعتُ صديقي درويش بعدما رسم جدارية على سرير الغريبة، ربما أحبك أو لا أحبك، هكذا قال لي، عما قليل سأحس أثر الفراشة بعدما أرى ما أريد، أرى حبيبتى تنهض من نومها، كمديح الظل العالي، فتلك صورتها وهذا انتحار العاشق.

عاشق من فلسطين، كان درويش، أو ربما كانت فلسطين هى عاشقته، ريثما يمر أحد عشر كوكباً مروراً خفيفاً كزهر اللوز أو أبعد، فيترك فينا ورد أقل، فنضرب حصاراً ثقيلاً لمدائح البحر.

لماذا تركت الحصان وحيداً يا أبي؟

دلني أبي على قبري، وقال: ياولدي، لاتعتذر عما فعلت.

درويش ليس شاعراً عابراً، ليس ركام من الأبجديات السخيفة، درويش معنى وروح وجسد يحمل معنى الهوية.

درويش سطور حياة تنام على صدر الموت، قافية حداثية على سور عكا، تلة ترقد دافئة على خصر القدس.

ليس شاعراً مَنْ يغرد مع الموت كما يرقص مع الحياة، ربما هو إله سماوي طريد، أقنوم جديد لإله الكلمات اليوناني القديم.

أسيرُ ببطء مع درويش حول حياتنا لنراها ناقصة فينا، وكاملة فى الأخرى، قال: هل أنا وأنت واحد ياصديقي؟

قلتُ: يامحمود نحن أقل من اثنين فى أرض الوطن.

قال: دعك من الكلمات والقافية، واكتب الحقيقة.

قلتُ: وهل ثمة حقيقة ياصاحبي؟ إننا مغرمون بها، نركض ورائها، نمد إليها أذرعنا، ولكنها ملتبسة ليست كالحقيقة.

قال: حدثني عنا، هل أنا وأنت واحد؟

قلتُ: لسنا باثنين حتى ننال اعتراف سلطة الاحتلال، ولسنا بواحد حتى تمنحنا الآلهة حق الحب.

انسابت ضحكة دافئة من بين شفتي درويش، وقال: لاشئ يوجعنى، ولكنى تعبت من السفر.

قلتُ: خدعونا ياصديقي وقالوا فى السفر سبع فوائد، وكتموا عنا حقيقة أن فى الوطن سبع وسائد محشوة بالحنين الخفيف.

خالج الحزنُ محمود لوهلة، ودون أن ينبس، سمعتُ صدى كلماته: على هذه الأرض مايستحق الحياة.

تبسمتْ من خجله من كلماته، وقلتْ: ونحن سنحبها إذا ما استطعنا إليها سبيلاً، ولكن أتحلو الحياة والكلمات غير راضية عنا؟ أتحلو الحياة وحبيبتى تنهض من نومها تحدّق فى مرآة رجل آخر؟ أتحلو الحياة على صدر باريس؟

بابتسامة مشوبة بالوجع تمتم درويش: هل عاش من لم يقطف قبلة من شفتي سور عكا ؟

قلتْ: إذن ياصديقي قد أجبتْ عن سؤالك.

قال: كيف؟

قلتُ: أنا لم أعشْ، فلم أقبل سور عكا، وأنت لم تحيا، فلم تستطع إلى الحياة بعيداً عن سلطة الاحتلال سبيلاً.

قال: وإذن؟

قلتُ: نحن لاشئ ياصديقي حتى يضحك الرب، أو يرحم العدو.


Share/Bookmark

الأحد، 4 مارس 2012

لم أصافحها، ولم أبكِ

21249118364كان الحنين إلى أشياء غامضة

ينأى ويدنو،

فلا النسيان يقصيني،

ولا التذكر يدنيني

من إمرأة إن مسّها قمرُ

صاحت: أنا القمر.”

                                          (محمود درويش، لماذا تركت الحصان وحيداً)

فى البدء ساد الظلام، وكان الظلام عند سواها، وكان لديها النور.

لمسة يدها، نظرة من عينيها، ضحكة من شفتيها، دمعة تمس خدها دافئة بحزن نائم فى صدرها، حنين إليها يملؤني.

كانت هى النور حين ساد الظلامُ الدنيا، كانت هى اليقين حين امتلئت النفوس بالشك، كانت هى الدفء حين نامت حواء على يد آدم، وكانت الحب حين كانت أجساد النساء.

كالإله الصغير كنتُ، أتخبط فى ظلماتي وحيداً، متفرداً بكبرياءِ وغرور، أعبد ذاتي، وأعشق أجساد النساء، رسمتهنّ على صورة فينوس، وضاجعتهن فى حضرة أفروديت، وصليت لها، وأطرقت خجلاً حين بكتْ وقالت: لم يفعل مثلما فعلتْ.

هناك على ناصية الأبدية جلسا سوياً، كان ذلك اللقاء الأخير بينهما، جاءت أو ربما غادرت لتعيد إليه بعض ما أرادت ألا تحتفظ به من أشياءه وذكرياته.

كانت صامتة، باردة كنجمة شردت عن سمائها، يدها لم ترتجف مثلما اعتاد عند مصافحتها، سرت برودة في يدها ليست كتلك التى اعتادها، وكأن شيئاً ما قد سلبها روحها فبقيت جثة باردة.

حاول أن يكسر برودة اللقاء بكلمات حارة، بيد أنه أحس ببرودة تسرى فى حلقه، حالت بينه وبين كلماته، أصابه جفاف عاطفي أمسك لسانه عن الكلام، وهى غارقة فى الصمت، إلا أنها بادرت وقالت: تلك أشياءك، أتذكر أنها كانت كذلك، أم كانت أقل؟

قال لها: ليتها كانت أقل ليكون الجرح أقل، أو ربما أحببتك أقل ليكون الشوق إليكِ أقل، أو ربما كان العمر أقل لأحترق أقل.

غريبة هى الحياة تدهشك بحبٍ مفاجئ، وتتخطفك من دنياك إلى دنياها. إلى دنيا إمرأة لا تعود بعدها إلى دنياك إلا وحيداً حزيناً مقهوراً، مغلوباً لم تنتصر.

ولا تقف الحياة عند هذا الحد، بل تستحيل جحيماً بارداً حين تفقد قلبك وروحك فى جسد حبيبتك، وتذهب بعيداً إلى صحراءها تتعذب وتشقى بقلبك فى جسدها.

لماذا تشقى حبيبتى؟

هل الحب شقاء؟ .. قلتُ لشيخي

قال: ياولدي الحب أوله فرح، وأوسطه طرب، وأخره جحيم يستعر.

قالت بكلمات متهالكة: كيف حالك؟

قال: هل أنتِ محقة فى سؤالك؟ هل تسألين عن حالي وقلبي يرقد بين جوانحك؟ لو تحسستي قلبكِ عرفتي حالي.

تبسمت ابتسامة باردة وقالت: ليس بيدي.

قال: يشق علي أن أراكِ تتصنعين الصمت وقلبك ينبض بي، أتعذب بكِ، أتوق إليكِ، هل نسيتِ لمسة يدي، ضحكتي، كلماتي لكِ حين ينام القمر على خد الليل.

لم تبكِ، كانت صلبة وعنيدة، وكان يعرف أن النار تتأجج بداخلها، لكنه صمتْ لأنها يحبها.

كنتُ أعرف أنها عنيدة وأعرف أنها ضعيفة كموج البحر، تقذفك بقوة بعيداً ثم تنتهى زبداً على شاطئك.

الصمت فى الحب فضيلة، لكنه فى الفراق نار تحرق العاشق، كانت صامتة، ربما كانت راغبة فى رؤيتي أحترق، لا، إنها جميلة وطيبة وقلبها ينام فى صدري، أحس بحنينها إليّ، أحس بشفتيها الدافئة، لماذا افترقنا؟

هل هناك أقسى من افتراق جسدين، وروح تغادر جسد حبيبها، هل كان ضروري أنا أحبها؟

قال شيخي: ياولدي لو لم تحب لم تحيا.

قلتُ : الحب عذاب

قال: تعذب حتى تفنى فى حبيبك فتتحد روحكما وتصيرا واحداً غريبأ عن نفسه.

قالت وعيناها تلمع حباً: سأرحل هل تود شيئاً؟

نظرتُ إليها وتعذبتْ وصمتْ.

لم أصافحها، ولم أبكِ.


Share/Bookmark

الاثنين، 20 فبراير 2012

سأكتب لكم

abstract_0005 نعم لقد قررت أن أكتب، الأن سأكتب، ربما فى اللحظة التى لا يتنزل فيها وحي الكتابة سأكتب، ودون حاجة لأن أكتب، ودون فكرة سأكتب.

سأكتب، لا ليقرأني أولئك الحمقى، ولكن لأبوح للحمقى بأشياء ربما يود بعضهم معرفتها، وربما لا تهم بعضهم، لكنها صرخات تنطلق بداخلي، تريد الانعتاق عبر سطوري، عبر كلماتي الأسيرة.

سأكتب قصة الفلاح، ذلك الفلاح البسيط الذى يروح إلى أرضه كل يوم بعدما يصلى الفجر ويتناول لقيمات مع زوجته وأولاده ويتبادلون الابتسامات والكلمات الخفيفة، وفجأة تنقلب حياته ويسرق العمدة أرضه ويجلده فى وسط البلدة، نعم سأكتب عن ذلك الفلاح لتعرفوا معنى ظلم السلطة للفقير البائس.

لا، لن أكتب تلك القصة الباردة، كتبها كثيرون، ولن يحس أحدكم بالظلم فى رمزية تلك القصة.

سأكتب عن الفتاة الجميلة ذات العينين النجلاويين، والشعر الأسود المتهدل على كتفيها، سأحكى لكم عن حبها للفتى الأسمر، ونظراتهم المفعمة بالشوق، وعن قبلتهم الأولى، وعن حلم البيت الفردوسي، وعن ذلك الرجل الغنى ذي الكرش المتهدل الذى تزوجها واغتصبها من حبيبها، عندئذ ستعرفون معنى القهر.

لا، تلك قصة باتت باردة لن يشعر أحدكم فيها بمعنى القهر.

وجدتها، الأن سأكتب لكم عن الطالب المسيحي فى المدرسة الثانوية، يتقلب كل يوم فى جحيم الاستعارات الطائفية، والمزحات الإباحية عن علاقة أمه بقسيس، نعم سأحكى لكم كيف يتحرق كل يوم لوطن يحترم آدميته، ويعامله كإنسان، لكن القدر يلقى به فى بلد لاتقدر مامعنى الإنسان.

لا، هذه قصة تعرفونها كلكم، ولن تشعروا فيها بالمعنى الكامن خلف سحق إنسانية مواطن بسبب دينه.

سأكتب لكم عن العامل فى مصنعه، وعن الوجبة العفنة التى يقدمونها له فى وجبة الغداء، وعن أولاده الأربعة، وعن زواج بنته الكبرى، وعن معاناته مع التعليم الجامعي لأولاده، ستشعرون حتماً بمعاناة العامل، وستذرفون الدموع، وستبكى تلك الفتاة ذات الشعر الأسود الفاحم حين تقرأ كلماتي على الـ (ipad) حتماً ستبكى، هى إنسانة تشعر بمعاناة العامل الفقير البائس.

لا، لن يشعر صديقى الذى يرى العمال كل يوم بتلك المعاناة، فالعادة تقتل الإحساس.

سأكتب لكم عن الكاتب الموهوب، صديقى المثقف، يهوى الكتابة، مغرم بالقراءة، يحب نجيب محفوظ وطه حسين والعقاد ومحمود درويش وأمل دنقل، يكتب كثيراً ويقرأ أكثر، سيصبح يوماً كاتباً كبيراً، لا لن يصبح كاتبأ ولا كبيراً، بل سيصبح موظفاً حكومياً، يؤمر فيطيع، سينسى كل الـ (لا) التى قرأها فى شعر دنقل، وكل الفلسفة التى تعلمها من نجيب، سينسى كل شئ لينفق على أسرته.

لا، لن أكتب تلك أيضاً، لن تبكى صاحبة الشعر الأسود الفاحم، ولن يتأثر صديقي الذى اعتاد مشاهدة الموظف، ولن أبكى أنا أيضاً، فكلنا قتلت أحلامنا.

إذن ماذا أكتب ؟

كل شئ قد كُتب ولم يتغير العالم، ولم يسد العدل، ولم يتحرر البشر، لاحاجة للكتابة فكلنا نهذى فى عالم لا يقرأ، المهم أني كتبت شيئاً قد يقرأه أحد الحمقى فيعجبه، أولا يعجبه، فلا يهمنى رأي الحمقى.


Share/Bookmark

الاثنين، 23 يناير 2012

ليلة شتوية في حضرة العاهرة!

 

“وعرفتُ أن الليالى

مذاقُ قطرةٍ من العسل، على اللسان تتلاشى.

أنّ الأشياء، دوماً، مُهدًّدةُ بالغياب

وأنني، ذات يومٍ، كنتُ هنا، في هذا المكان.

حيث لن أكون، أبداً، مرةً أخرى.”

                                                                           سركون بولص, عظمة أخرى لكلب القبيلة

كانت ليلة شديدة الظلمة، انزوى القمر فى حضن السماء، وضجت الشوارع بالناس، وغصت الحوانيت بأصحاب الأموال، بينما كنت أتسكع فى شوارع وسط البلد، أحدّق فى الوجوه، أتأمل المحال، أفتش فى عيون الناس عن شئ ما لاأعرف كنهه.

ساقتني قدماي إلى مقهى يبعد خطوات عن بناية نقابة الصحفيين، جلستُ معي فى ركن قصيّ أمارس هوايتي فى تأمل البشر، والنظر إلى وجوههم، لعلني أظفر بشئ ما مما أفتش عنه منذ سنواتٍ بعيدة.

جاءني فتى يافع يعمل فى المقهى تكسو وجهه سُمرة تنبئ عن أصله الصعيدي، وسألني عما أريد، طلبت قدحاً من القهوة، وحجراً من الشيشة.

لم ألبث إلا قليلاً حتى قدِمَ الفتى، ووضع القهوة أمامي، وحجر الشيشة إلى جوارى، وسألني عما إذا كنت محتاجاً لشئ أخر، فشكرته، وانصرف.

شربتُ على مهلٍ قهوتي، ونفثت دخانى، وبقيت أتابع سحب الدخان المنعقدة وهى تنحل رويداً رويداً حتى تتلاشى، وتغيب مع أشياءٍ كثيرة غابت ولا نعرف أين ذهبت.

على منضدة إلى جوارى كانا يهيمان فى سماء العشق، شاب وفتاة لايزالان فى مقتبل عمرها، بدت عليهما أحلام شباب الجامعة، الطفولية إلى حد بعيد، خيل إليّ أنهما يتفاوضان حول بعض قطع الأثاث فى شقتهما التى يحلمان بها، بدت الفتاة متشبثة برأيها، وبدا هو مفاوضاً جيداً، يداعب يديها، ويرمقها بنظراتٍ يملؤها الحنين إلى شفاهها.

أمام منضدتهما كان يجلس جمعُ من الشباب المتحمس، هكذا رأيتهم، صوتهم العالى، واحمرار وجه بعضهم فى وطيس المناقشات يشى بالثورة الرابضة فى الصدور، منتظرة لحظة الانفجار، ربما ثورة على الأباء أو العادات أو الفتيات، أو ربما يحدو بهم الجنون لأن يثوروا على الحكومة!

وإلى جوار منضدة الشباب الثائر، تحديداً المنضدة التى تقع أمامي، كانت تجلس بمفردها، ربما كانت تجلس معها مثلما أجلس معي، نفثت دخان شيشتها ورمقتني بنظرة، وتبسمتْ.

لم يكن غريباً علي ذاك الموقف، فقد خبرتُ وسط البلد لسنوات عديدة، وعِرفتُ خبايها، وسراديبها، وأروقة المزاج والمتعة فيها.

بنظرة الخبير العارف، ترقبت نظرتها التالية، وبسمتها الآتية. كانت لحظات الصيد ممتعة، فلذة الانتظار لايضاهيها إلا نشوة الظفر بالغنيمة. هكذا تعلمت فى مدرسة وسط البلد.

وفى لحظات الانتظار، التفت، وألقت نظرة مشوبة بابتسامة ساحرة، كانت تلك إشارة البدء، وسرعان مانهضت من مجلسي، وقصدت مجلسها، تبسمت لها وقلت بصوت الصائد الماكر: أقعد؟

رقصت عيناها فرحاً، وعلّت الابتسامة وجهها، وقالت وهى تلملم ذاتها: اتفضل.

تبودلت الكلمات المعتادة، وضحكنا وجلجلت ضحاكتنا، ثم نادت فتى المقهى، وطلبت الحساب، وكعادتهنّ تظاهرات بإخراج النقود، وكعادتي بادرت بدفع الحساب، وقمنا سوياً نترنح من الضحك.

وكأننا فى مسرحية نتقن أداء أدوراها، صار كل شئ كما يجب أن يكون، سِرنا سوياً إلى محل يبيع الخمور، يعرف رواد وسط البلد جيداً موقع ذاك المحل، بخطوات متناغمة، وكأن قدمينا تحفظ طريقنا عن ظهر قلب.

أحضرنا عدة زجاجات من البيرة، وزجاجة وايّن، وسألتها إن كانت لها رغبة بالحشيش، فزمّت شفتيها، وهزت رأسها رفضاً، وانتهينا إلى سيارتي، وقصدنا منزلي.

داخل الصالة الفسيحة، خلعت معطفها، وبدت تقاسيم جسدها فى ثوبها الضيق أشد جمالاً، لماذا يرتدون تلك المعاطف الحاجبة لنور أجسادهنّ؟

فتحنا زجاجات البيرة، وتجرعنا منها حتى ثملنا، ثمّ صبت لكل منا كأس من الوايّن، شربناه على عجلٍ، وتحركنا ببطئ إلى غرفة النوم.

كانت حركاتها تنبئ عن خبرة واسعة بعملها، تجردت من ثوبها، ومن ملابسها الداخلية، ووقفتْ عارية تماماً، وقالت:

تحب ألبس قميص نوم، ولا نخلص علطول.

ضحكت بصوت جنوني، كان ذلك تأثير الكحول، وقلت: تعالى تعالى.

لم تنتظر حتى أخلع ثيابي، اندفعت نحوي وأمطرتني قُبلاً، وأمطرتها أنا الأخر.

كان الأمر أشبه بمنافسة بين متصارعيّن، كلاهما يود الفتك بالأخر ليظفر بجائزة ما، ومع ذلك كانت مضاجعة ملئية بالدفء فى تلك الليلة الباردة، حتى أن تلك الرعدة المفقودة لدي منذ عهد بعيد، عادت إليّ تلك الليلة.

سائلتني وهى متكئة على السرير: ليه كنت بتبصلى وإحنا شغالين؟

كان من المحال فى تلك الليلة أن أوقف سيل الضحك، ضحكت كعادتي، وقلت بأنفاس لاهثة متعبة: لدي متعة لاتضاهيها إلا متعة الجنس، أعشق وجه النساء حين يتقلص من أوجاع المضاجعة.

انفلتت منها ضحكة رقيعة، وقالت: باين عليك مش عاتق، بس إيه ياخويا بتتكلم زي الناس الخنيقة كده ليه.

قلتُ: أنا معيد فى الجامعة، وبدّرس فلسفة للطلبة، وناشط بحركة الدفاع عن العمال والفلاحين.

قاطعتني بسرعة، وكأنها تتقيأ نفس سيجارتها، وقالت: يخربيتك إنت من الملاحيس بتوع السياسة.

وواصلت بسرعة لم تمنحني لحظة للجواب: تلاقيك لايف على بت من الحلوين اللى بيطلعوا فى التلفزيون ويقعدوا يرغوا فى السياسة.

كانت نبوءتها فى محلِها، كنت فى علاقة مع صديقة تعرفتُ عليها فى مظاهرة لدعم القضاة إبان أزمتهم مع النظام، وكانت علاقتنا متشابكة ويشوبها الارتباك، وبالكاد كنا نتفاهم فى مرات قليلة، عندما تتجرد من ثياب الناشطة، وثياب أخرى.

قطعت شرودي، وقالت: إنت باين عليك غرقان لشوشتك، بس أنا عايزة أسألك سؤال.

بفتور أجبتها: اسألي.

قالت، وقد ارتسمت الجدية على وجهها: إنت ترضى تتجوز واحدة زيي؟

اجتاحتني الدهشة، وترددت فى الجواب، فقاطعتني: لا طبعا، هو فى واحد يسيب صاحبته المثقفة، ويتجوز واحدة عاهرة.

بسرعة غريبة قلت لها: هى أيضا عاهرة لكنها تجيد الفلسفة.

2313041055_9907de7da4_o


Share/Bookmark