الخميس، 29 سبتمبر، 2011

أسامة الغزالي .. بين علمانية العسكر وديمقراطية الثورة

Untitled منذ قدوم الدكتور البرادعي إلى مصر، ترامى اسم حزب الجبهة بكثرة، إذ أنه الحزب الذى فتح مقراته لحملة البرادعي آنذاك، وقد كنت أحد هؤلاء الذين عقدوا اجتماعات داخل مقرات حزب الجبهة. ومنذ ذلك الحين تردد اسم الدكتور أسامة الغزالي حرب على مسامعي، والحق أني لم أسمع به قبل ذاك رغم ماله من صيت ذائع فى الأوساط السياسية. ومنذ ذلك الحين لم أتوقف عن متابعة تصريحات ومواقف حزب الجبهة والدكتور أسامة بحسبانه رئيسا للحزب، وأحد المفكرين الليبراليين المعروفين.

وقد توقفت طويلاً أمام تصريحات ومواقف اتخذها الدكتور أسامة، وعسر علي أن أجد لها تفسيراً يقبله المنطق، وكان من أبرز التصريحات، ماصدر مؤخراً فى جريدة الشروق والتى يدعو فيها الدكتور الجيش لأن يستمر فى حكم البلاد لمدة عامين، كما أنه لايجد غضاضة فى أن يترشح المشير أو رئيس الأركان لرئاسة الجمهورية، مبرراً ذلك بأن الرئيس العسكري لايعنى تحول مصر إلى دولة عسكرية.

على أني حاولت أن أتقبل منطق صاحبنا، فأعجزني عقلي، وحاولت أن أرجع إلى خلفية الدكتور ربما تفهمت مواقفه إزاء استمرار العسكر فى الحكم، فوجدت أنه من الطبيعى والمنطقى بالنسبة لرجل مثله أن يقبل بحكم العسكر.

الدكتور أسامة الغزالي حرب، أستاذ العلوم السياسية، والكاتب الليبرالي المعروف، بدأ حياته الصحفية فى جريدة الجمهورية ومجلة الكاتب، وشغل العديد من المناصب، أبرزها: رئيس تحرير مجلة السياسة الدولية، ومستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية كما أنه عمل كأستاذ غير متفرغ للعلوم السياسية بجامعة قناة السويس وعدد من المؤسسات الأكاديمية الأخرى.

وكان الدكتور أسامة عضواً بارزاً فى الحزب الوطني «المنحل» وفى لجنة جمال مبارك للسياسات، واللجنة هى الراسمة للسياسات التى نفذها الحزب فى السنوات العشر الأخيرة، وكان من أبرز مشروعاتها توريث الحكم من مبارك «الأب» إلى مبارك «الابن».

بيد أن الدكتور أسامة أعلن استقالته من الحزب، وشرع فى تأسيس حزب الجبهة «المعارض»، فيما قيل فى ذلك التوقيت إنه غضباً من تعيين الدكتور عبدالمنعم سعيد أحد أقطاب لجنة السياسات رئيساً لمجلس إدارة الأهرام بدلاً من الدكتور أسامة، إلا أن الدكتور أسامة ينفى ذلك ويؤكد أن استقالته كانت بسبب مشروع التوريث، رغم أن مشروع التوريث قد بدأ الإعداد له قبل انضمام الدكتور للحزب الوطنى، وحتى رحيله منه كان المشروع يسير بخطى ثابتة.

كما عين الرئيس المخلوع حسنى مبارك السيد أسامة الغزالي عضواً بمجلس الشورى، ولم يرفض السيد الدكتور التعيين، بل إن الدكتور أسامة رد الجميل لمبارك بعدما صار الدكتور «معارضاً» ودعا الرئيس المخلوع لافتتاح مؤتمر الليبرالية الدولية فى العام 2009.

المدهش هنا أن الدكتور أسامة فى حوار مع الأهرام العربى ( 2 يوليو 2011) رداً على سؤال محاوره حول كون جمال مبارك ليبرالياً، فلماذا يرفض الدكتور تولى جمال الليبرالي الرئاسة فرد الدكتور أسامة قائلاً: «ما علاقة الليبرالية بالتوريث؟ التوريث قمة الديكتاتورية والاستبداد والسيطرة، وتوريث الجمهوريات ضد كل القيم الديمقراطية»، ورغم ذلك فإن الدكتور لم يتردد فى دعوة مبارك لافتتاح مؤتمر «الليبرالية الدولية»، والسؤال هنا ماعلاقة مبارك الذى يشرع فى توريث ابنه الحكم بالليبرالية، والتوريث كما قال الدكتور قمة الديكتاتورية والاستبداد، فلماذا يدعو الدكتور«المعارض» ديكتاتوراً مستبداً لافتتاح مؤتمر الليبرالية الدولية ؟.

ومنظمة الليبرالية الدولية والتى يعد الدكتور أحد أعضائها، ومنظم مؤتمرها فى القاهرة، تنص لائحتها على أن دولة إسرائيل هى دولة يهودية لليهود، وتصف الفلسطينيين بالإرهاب ولإسرائيل حق الدفاع عن نفسها. وحتى لانغمط الدكتور حقه، فقد صرح الدكتور أسامة فى حواره السالف مع الأهرام العربى بأن رأى المنظمة لايلزمه، ولكن هل هذه الحقيقة؟

في الثامن من ديسمبر سنة 1977، ، وأثناء إحدى الندوات التي عقدت بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة .. وبعد أن انتهى الدكتور إبراهيم البحراوي أستاذ الدراسات العبرية ، من حديثه عن الموقف «الإسرائيلي» من القدس، وبعد أن انتهى الدكتور أحمد صدقي الدجاني من حديثه عن الحق التاريخي (للعرب وللمسلمين) في القدس .. جاء دور الدكتور أسامة كمعقب، فوصف ما قاله الدكتور الدجاني بأنه (كلام تاريخي قديم، يقوم على الشحن العاطفي وتخدير المشاعر). ثم قال صراحة وفقاً لأقواله المنشورة على صفحات على صفحات جريدة «الأهرام» في 27/12/1997 ما نصه : (الارتباط العاطفي اليهودي بالقدس حقيقة تاريخية، والوجود اليهودي بالقدس على مر التاريخ حقيقة ثابتة، ويجب علينا أن نعترف بهذه الحقيقة في شجاعة، إذا أردنا الوصول إلى حل للقضية الفلسطينية).

وقد رد عليه الدكتور صدقي الدجاني قائلاً : (أنا عجبت لموقف الدكتور الغزالي الذي رفض استشهادي بالتاريخ عند الحديث عن الحق العربي في القدس، ثم إذا به الآن يستشهد بالتاريخ عند حديثه عن الحق اليهودي في القدس أيضاً).

ويزداد الامر وضوحاً حين نعلم أن مجلس نقابة الصحفيين قد اجتمع فى 21 مارس عام 1997 للبت فى خرق الدكتور أسامة الغزالي وآخرين لقرار نقابة الصحفيين بحظر التطبيع مع الكيان الصهيوني، ذلك أن الدكتور وأخرين قد اجتمعوا ببنيامين نتنياهو أثناء إحدى زياراته للقاهرة.

ولم يتوقف الدكتور عند هذا الحد بل سافر الدكتور فى العام 1999 إلى الكيان الصهيوني فى خرق واضح لما قررته نقابة الصحفيين، ولا يفوتنى أن أذكر أن الدكتور أسامة كان معيناً فى المجلس الأعلى للصحافة مثلما عين فى مجلس الشورى كما أسلفت.

وعلى الرغم من التسامح المفرط نحو الصهاينة، إلا أن الدكتور أسامة تنتابه حالة من الهلع حينما يرى الإسلاميين، فمنذ ثورة يناير وصاحبنا لم يكف عن مهاجمة الإخوان والتيارات الإسلامية، وفى ذات الوقت لا يكف الدكتور عن «مغازلة» المجلس العسكري، مرة بمطالبته بحماية مدنية الدولة، ومرة بمطالبته بالبقاء لمدة عامين لضمان الأمن فى البلاد.

ولأن صاحبنا لديه من «المرونة» مايسمح له بالتطبيع مع الصهاينة، ولديه من «القدرة على التأقلم» مايسمح له بأن يرزح تحت حكم استبدادي، أو تحت حكم عسكري، فإنه لايمانع أبداً فى استمرار العسكر فى الحكم طالما تكفلوا بحماية «علمانية» الدولة، فالدكتور يقدم «العلمانية» على «الديمقراطية» خاصة وأن الدكتور لديه من «المواهب» مايؤهله للعيش تحت أي نظام حكم طالما كان هذا النظام علمانياَ.

09


Share/Bookmark

الجمعة، 23 سبتمبر، 2011

مرثية عاشق

366986 غريبة هى الحياة، تفتح لنا ذراعيها وتلوح لنا بأصابعها ترغبنا فيها، وماإن نقبل عليها حتى تعانقنا، ثم يستحيل عناقها ضغطا بقوة، فتتصارع بداخلنا الأحلام والأمال.

فتحت لي الدنيا ذراعيها، وكنت أخشاها، فاقتربتُ على مهل، وأقبلتُ عليها حتى مسست باطن كفيها، فلسعنى عسلها، فاقتربت، واقتربت حتى انزويت فى داخلها، وتلاشيت فيها.

كما عرف آدم حواء عرفتها، ربما عرفت قبلها كثيرات، لكنها بدء الخليقة فى سفر تكويني، عرفت الدنيا من عينيها، خبرتُ الحياة من لمسة يديها، سبرت أغوار الحقيقة حين مست شفتاي شفتيها.

عمّدتني بحبها، مرسلة مائها المقدس تغسلني من ذنوبي وخطاياي. تطهرت من كل النساء، وانزويت فى دير حبيبتى، أصلى فى محرابها، أدعوها كى تغفر لي أن عرفت غيرها، أو رأيت غيرها.

تملكتني، وملكتني، فصرت بين يديها كالميت بين يدي مغسله. أحببتها. عشقتها. تمنيت أن تتلاشى الدنيا وتصبح عدماً ولايبقى أمامي إلا صورتها.

كان الحب غريباً علي، لم أؤمن به يوماً، بل آمنت بأجساد النساء، وكفرت بقلوبهن وعقولهن، حتى عرفتني، أو ربما اختارتني من بين أولئك الذين تعلقوا بها.

فى البدء كانت هى، وكانت هى تملك قلوباً ولايملكها قلب، مخلصة كانت لحبٍ قديم. أسيرةُ ظلت فى طوق حبها، لا أحد يقترب إلا وهوى فى بئر سحيق من الألام.

اقتربت منها، كنت صديقها، بل ربما كنت أخاً لها، حتى أفزعتني وقالت: ستحبني يوماً!

لم أدرك ساعتها من أين تأتى تلك المرأة بثقتها فى نفسها؟ كيف استطاعت أن تضرب سياجاً من الجفاء تمزق كل مقترب، وتجرح كل عابث يرنو إلى المرور إلى قلبها.

مرت الأيام، وأنا أحفر بئر عميق عما قليل سيمسى مثوى عاشق جريح ..

أحببتها، وصارحتها على الفور، لم تهتز، كانت قوية، واثقة، ضحكتْ، وجلجلت ضحكتها فى السماء حتى انتبهت إليها الملائكة ..

مرت أيام وهى لاتتغير، هى لاتتغير، بينما الأخرون تلفهم الأيام بجراحات تثخنهم فيتبدلون ويتغيرون. حتى يوم كانت تكلمني باكية، ويعلو صوت بكائها ويتمزق قلبي، وأصمت منصتاً لبكائها، عشقت حتى بكائها أجنون هذا ؟

بينما يعلو نشيجها، باغتتنى وصمتت، ثم قالت: بحبك

تولانى الصمت، واعترتني حال بِتُ فيها أقرب إلى المجاذيب، لاصوت، ولا حركة، لم أستطع أن أنبس بكلمة واحدة.

تمر أوقاتنا الحلوة كومضة خاطفة، كاحتراق شهاب فى ثوانٍ سرعان مايتلاشى، هكذا كانت أيامي معها. فرحة وسعادة، دفء وأمان، هل يحس الرجل بأمان فى حضن إمرأة ؟.

بددت العالم من حولي، فلم يبق إلاها، وتتابعت الأيام، وتوالت السعادات، وتواترت دفقات الحب علي. عرفت الحب، وكنت كافراً به، هى من علمتنى كيف أحب.

غير أن قدرنا فى هذه الحياة أن تصفعنا بحزن تلو حزن حتى نفيق من لسعة عسلها، هل كتب علينا الحزن ؟ أم أننا نهوى الحزن؟ أم أن الحزن يقومنا؟

افترقنا، نعم افترقنا، هكذا مرة واحدة، كنت أعرف أنها ليست لي، ولكنى لم أصدق يوماً انها ستكون هناك فى حضن أخر، حتى حانت لحظة خمدت نار حبها، وانطفأ وهج الشوق فى عينيها، فلم تكلمني، وظلت بعيدة. كنت أحس أن النهاية قد حانت، بيد إن المحتضر يُكذب الواقع ويتعلق بأهداب الحلم الجميل.

زادني بُعدها حيرة، فقررت أن أصارحها، سألتها: ماذا تريدين؟

قالت بصوت حزين: أن نفترق!

وكانت مشئيتها وإرادتها وافترقنا، وكان فراقنا أليماً، لم يكن الألم ألم الفراق وحده، لكنه ألم التجاهل والبُعد دون إحساس بعاشق تعلّق بسماء الحلم.

كل يوم أنتظر صوتها الدافئ فى الليل. أدرك أنه حلم يائس، وأنه لن يجئ، ومع ذلك أنتظرها كل ليلة، أنتظرها.

أفتقد صوتك، وضحكتك، وعينيكِ، ولمستك، أفتقدك.


Share/Bookmark

الجمعة، 9 سبتمبر، 2011

هل الثورة المصرية كانت سلمية ؟

alg_tahrir_square_overview  فى زمان الإرهاب الفكري بات الكلام عن سلمية الثورة المصرية محفوفاً بالمخاطر، ومعبأ بالصراعات بين أنصار لاسلمية الثورة وسلمية الثورة، حتى غدت سلمية الثورة سُبة فى جبين من يعتنق السلمية كعلامة للثورة .

يروج أنصار العنف مذ انتهاء الثورة أو بالأحرى منذ انتهاء المد الثوري الأول وتنحية حسنى مبارك عن الحكم إلى نظرية العنف الثوري، وأنه لولا العنف مانجحت الثورة، وأن ثورتنا لم تكن ثورة سلمية بأية حال، ويدللون على ذلك بإحصائيات تظهر عدد القتلى من الشرطة المصرية والشهداء من الثوار على السواء.

وبالمقابل يحاول أنصار التغيير السلمي تصحيح المغالطات التى ترد فى استدلالات أهل العنف، غير أنهم يقابلون بموجات متتابعة من الهجوم التى تثنيهم عن الاستمرار فى الحوار . وذلك لأن دعاة العنف أعلى صوتاً وأشد تأثيراً، فعادة التطرف والغلو يكون أيسر من الاعتدال والقصد، فالأول طريقه مُعبد وميسر للمزايدة والمغالاة، بينما الثانى ملبد بسحب العلم والحكمة، وهما عسيران على كثير من أبناء جلدتنا .

ولكى يمكننا تحليل مغالطات دعاة العنف ينبغى أن نسترجع الثورة المصرية منذ مهدها حتى تنحية حسنى مبارك. بعد نجاح الثورة التونسية وهروب الرئيس المخلوع بن علي، تصاعدت دعوات عبر الإنترنت للثورة على الظلم والفساد والفقر فى مصر، ولم يدرك أحد وقتها أنه من الممكن أن تشتعل ثورة فى أرجاء مصر، بل إن الغالبية من النشطاء أنفسهم كانوا على درجة عالية من التشاؤم إزاء تظاهرات 25 يناير.

كانت أبرز الدعوات التى شاعت فى ذلك التوقيت، دعوة صفحة (كلنا خالد سعيد) للثورة على الفساد والتعذيب والظلم يوم عيد الشرطة، خاصة وأن الجو كان معبأ ضد الداخلية بعد حادثة كنيسة القديسين ومقتل الشهيد سيد بلال إثر التعذيب داخل مقر أمن الدولة بالأسكندرية.

يوماً فيوماً تعالت نبرات التفاؤل بعدما ذاعت الدعوة لتظاهرات 25 يناير، وانتشرت بشكل أوشى آنذاك بأن شيئاً ما يتحرك تحت الرماد. عندئذ تضاءلت نبرة التشاؤم، وارتفعت وتيرة التفاؤل بشكل مذهل، حتى كان يوم 25 يناير .

فى يوم 25 خرجت الناس إلى الشوارع بشكل سلمي، فكانت ذخيرتهم حناجرهم، وقنابلهم هى الأصوات الهادرة الصادرة من مئات الألوف، وكان موقف الشرطة آنذاك عجيب، فالشرطة لم تتدخل كعادتها لتفض التظاهرات بالوحشية المعهودة عليها، باستثناء بعض المناطق التى جرى فيها اشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين.

استمر الناس فى التظاهر والهتاف ضد النظام، وسار الناس بشكل عفوي حتى بلغوا ميدان التحرير، وبدأ الناس يتجهون نحو الميدان بصوة تلقائية، انتهى الأمر وعشرات الألوف قد سكنت الميدان، وجلسوا يهتفون بصوت واحد "الشعب يريد إسقاط النظام".

إلى هنا والثورة لاتزال محافظة على سلميتها، حتى تدخلت الشرطة فى نهاية اليوم وفضت اعتصام التحرير بمنتهى القوة، وكانت قوة مفرطة ربما فاقت تصوارتنا عن وحشية الداخلية، عندئذ تفرق المعتصمون فى الشوارع الجانبية، وساروا فى مسيرات صغيرة وراحوا يهتفون ضد النظام.

مرت الأيام التالية والتظاهرات مستمرة فى عدد من المحافظات، كان أكثرها اشتعالاً هى محافظة السويس، والتى أعلن فيها رسمياً عن سقوط أول شهيد للثورة يوم 27 يناير. من هنا تغير مسار الثورة تغيراً نوعياً، وليس تغيراً جذرياً، بحيث تتحول الثورة من سلميتها إلى العنف، إنما كانت الصدور متأججة بنار الانتقام من الداخلية، وزاد الأمر اشتعالاً سقوط الشهيد الثانى والثالث فى السويس، وبلغ عدد المصابين 350 مصاب.

وكان يوم جمعة الغضب، وهو اليوم الأهم فى الثورة، من حيث أعداد المتظاهرين التى ازدادت بسرعة جنونية، أو من حيث أحداث اليوم التى توالت إلى نزول الجيش إلى الشوارع.

هنا ثمة أسئلة يتعين طرحها، أهم تلك الأسئلة من وجهة نظري:

هل خرج المتظاهرون من المساجد مسلحون أم أنهم خرجوا بأيادى خاوية ؟

هل بدأ المتظاهرون فى الاعتداء على رجال الشرطة أم أن رجال الشرطة هم الذين بادروا بالعنف ؟

ربما لايختلف اثنان على أن الشرطة بمجرد شروع المتظاهرين فى الخروج من المساجد قامت بإطلاق الغازات المسيلة للدموع، وفتح خراطيم المياه، ثم الهجوم على المتظاهرين بأعداد كبيرة من الامن المركزي.

فى البدء صمد المتظاهرون وتحملوا الضربات الأولى بمنتهى الصلابة، بيد أنه فى لحظة ما كان يبنغى رد الضرب ولو بالحجارة لفتح الطريق أمام المتظاهرين. انتهج كل فريق من المتظاهرين طريقة مختلفة لكسر حواجز الأمن المركزى، فمنهم من رشق سيارات الشرطة بالحجارة، ومنهم من التحم بالشرطة وتلقى الضربات حتى خارت قوى الأمن المركزى وبدأ فى التراجع.

إذن يمكننا القول أن رد الثوار لم يكن عنيفاً بصورة منظمة مما يوحى بأنهم نظموا أنفسهم تحت شعار الثورة العنيفة، بل إن معركة قصر النيل دليل دامغ على أن المتظاهرين ظلوا سلميين إلى أبعد مايمكن، فرجال الشرطة قد استخدموا كل الوسائل الممكنة لمنع المتظاهرين من بلوغ ميدان التحرير، بينما ظل المتظاهرون يتدافعون رغم قنابل الغاز والرصاص المطاطي وخراطيم المياه دون رد عنيف، حتى تساقط الشهيد تلو الشهيد فانتفض الناس بصورة عفوية وبادلوا عنف الشرطة بعنف مشروع وهنا بيت القصيد.

التحول الذى حدث فى رد المتظاهرين من السلمية التامة إلى الرد بالحجارة على الشرطة، هل يدفعنا لأن نصف الثورة بأنها عنيفة أو أن العنف هو الحل الأمثل للثوارت، وهل يخرج هذا الثورة من دائرة السلمية؟

لايمكننا إنكار حق المتظاهرين فى الدفاع المشروع عن أنفسهم، لكن دفاع الثوار عن أنفسهم سواء برشق الحجارة أو حتى بإشعال النيران فى أقسام الشرطة التى ثبت أنها أطلقت النيران بصورة عشوائية على المارة، لايضفى صفة العنف على الثورة، فالثوار خرجوا بسلمية تامة منذ أول يوم وحتى سقوط الشهداء بأعداد كبيرة، ورد الثوار حق أصيل لاينكره عاقل.

على أن وصف الثورة بالعنيفة يحتاج إلى دليل على استمرارية العنف من جانب الثوار حتى نجاح الثورة، وهذا لايمكن لأحد أن يزعمه، فبعد انسحاب الشرطة أعلن المتظاهرون اعتصاماً فى ميدان التحرير وميادين أخرى، ولم يتابعوا مثلاً رجال الشرطة ويقتلونهم.

لاحظ أيضاً أن رجال الشرطة كانت أعدادهم بالألاف بينما أعداد المتظاهرين بالملايين، ورغم ذلك لم يسقط من رجال الشرطة إلا أعداد قليلة جداً، إننا إذا قارنا ثورة مصر بثورة ليبيا فى هذا المضمار لايمكن أبداً أن تسعفنا الدلائل لوصف الثورة بالعنيفة.

إن مقارنة بسيطة بين أعداد الشرطة التى سقطت عندنا وكتائب القذافي، وبين ثوار مصر وثوار ليبيا يهدم أقوال أولئك القائلين بعنف ثورتنا.

وأخيراً فإن موقعة الجمل ذات دلالة بالغة الأهمية، فرغم سقوط مئات الشهداء من جانب الثوار، لم يسقط قتيل واحد من البلطجية، مع أن الثوار قد ألقوا القبض على الكثيرين منهم أثناء احتدام المعركة، ومع ذلك لم يتعرضوا لهم بسوء، بل إن شاشات الفضائيات نقلت صوراً لبعض البلطجية والأطباء الميدانيين يعالجونهم من الإصابات الناجمة عن التراشق المتبادل بالحجارة.

إن سلمية الثورة ليست عاراً نتبرأ منه، بل إن سلمية الثورة هى التى جعلت العالم كله ينحنى أمام الثوار المصريين، وأي مقارنة مع أي ثورة أخرى لن تكون فى صالح دعاة العنف.


Share/Bookmark