الجمعة، 21 أكتوبر، 2011

فى غياب أبى !

حين غابَ حضرتْ كل المعانى،

وتبددت على صخرة الحلم القديم آمال طفل حالم.

وكآبة اليوم العتيق ترنحت على رأس ذاك الطفل.

يبكى فراق أبيه أو صاحبه.

أو كان حقاً أبا؟

أم كان صاحب بيتٍ يأوى ظلال موتٍ بين جوانحه؟

قالت فتاةُ: مات،

وغابت فى إهاب الموت ترقص رقصة الدمع الأخير.

والطفل يلهو فى عيني أبيه،

عند التقاء الدمع بالبسمة فى وجه الأخير.

والروح تصعد تبغى لقاء أحبة قد واعدتهم باللقا

والطفل يبكى، ويبكى، ويبكى..

وأبوه من علٍ يحدق فى الدموع..

هل مات أبى؟

قال طفل لأمه،

قالت:

أبوك لمْ يمتْ،

بل راح يلقى موعظة على رأس أمواتٍ لم يفهموا معنى الحياة!

ياأمى، أين أبى؟

صرخ الصغير فى وجه أمٍ باكية.

قالت:

أبوك لمْ يمتْ

أبوك لمْ يمتْ

وكفكفت دمعاتها، وعانقت طفلها، وقالت:

إن أبوك لم يمت،

ياولدى إن أبوك قد جاء بك ليرحل!


Share/Bookmark

السبت، 15 أكتوبر، 2011

ليلة سقوط المشير !

2011-634471059455840856-584 كانت ليلة الخامس والعشرين من يناير للعام 2012 حيث ذهبت إلى سريري كى أنام، فصباح الغد حين تشرق الشمس لن تشرق وحدها بل ستقاسمها شمس الثورة سماء مصر. أذاعت صفحة كلنا خالد سعيد على الفيسبوك دعوات منذ عشرة أيام تدعو فيها المصريين للخروج للشارع للتظاهر ضد «التعذيب والفقر والمحاكمات العسكرية»، طُبعت الدعوات ووزعت فى كل ربوع مصر. الشارع مشتعل، والمجلس العسكرى أكد أن شعب مصر يقف معه فى مواجهة «مثيري الفتنة».

النشطاء يجتمعون، يقسمون أنفسهم، فلان يخرج بمسيرة من شارع شبرا، والآخر يخرج من منطقة ناهية، والثالث من منطقة جامعة الدول العربية، المحافظات أعلنت أماكن التجمع والخروج، مصر تشتعل مرة أخرى، جذوة الغضب تتقد، وتتأجج، الليلة حاسمة فى تاريخ مصر.

كان الأرق يطاردنى، والأفكار تحتشد برأسى، وتطل علي كل الاحتمالات الممكنة ليوم الغد، هل ستحدث ثورة؟ هل سننجح فى القضاء على الظلم؟ هل سيخرج الناس معنا؟

بقيت ليلتى أفكر، وتداعت إلى رأسى عناوين الأخبار التى قرأتها اليوم، وبيانات الأحزاب التى صدرت، وراحت تتطاحن بداخلي:

حزبي التجمع والناصري يرفضان التظاهر فى يوم عيد الثورة، ويؤكدان أن الجيش حمى الثورة ولا يجوز التظاهر ضده فى يوم الثورة.

الإخوان أذاعوا بيانا عبر موقعهم على الإنترنت أكدوا فيه ثقتهم بالمجلس العسكرى فى إدارة شئون البلاد، ووجهوا عدة نصائح للمجلس العسكرى لتفادى ماحدث فى ليبيا من مواجهات بين الجيش والشعب.

الدعوة السلفية نشرت بيانا قالت فيه: إن المجلس العسكرى هو حامى ثورة الخامس والعشرين من يناير، وشعب مصر يحفظ للمجلس العسكرى حمايته للثورة، وحقنه لدماء المصريين، ودعوا فيه جموع المواطنين للتصدى للفتنة التى يروج لها العلمانيون للخروج على المجلس العسكرى.

فيما صرح الشيخ عبد المنعم الشحات عبر مداخلة هاتفية لبرنامج «آخر كلام» مع الإعلامي «يسرى فودة» أن الخروج على المجلس العسكرى حرام شرعا، لأن الله نهى عن الخروج عن أولى الأمر، وأمرنا بطاعتهم وإن جلدوا الظهور، وسرقوا الأموال.

وفى ذات السياق أشاد الشيخ عاصم عبد الماجد المتحدث باسم الجماعة الإسلامية بدور القوات المسلحة فى حماية الثورة، وأكد على محاربة المفسدين الذين يدعون إلى الخروج على المجلس العسكرى، ودعا الشعب المصرى المسلم إلى مواجهة العلمانيين والليبراليين الذين يثيرون الفتنة.

بينما ندد الدكتور أسامة الغزالى حرب، رئيس حزب الجبهة، بما أسماه محاولة الخروج على شرعية المجلس العسكرى، التى استمدها من حمايته للثورة، ومن استفتاء 19 مارس، وأكد أن الجيش هو الضامن الوحيد لمدنية الدولة، وطالب الداعين إلى المظاهرات بالتعقل والالتفاف حول الجيش لإنهاء الفترة الإنتقالية بسلام.

تتابعت البيانات والمقالات والعناوين فى رأسى، وطاردت النوم، وبقيت طيلة الليل أفكر فيما سيقع من حوادث غدا.

وفى حوالى العاشرة مساء فتحت الحاسوب وتابعت مايقال عبر مواقع التواصل الاجتماعى. النشطاء اليساريون يدعون لثورة حمراء، يطهرون البلاد فيها من الفساد بدماء الشهداء التى ستخضب الثورة. الليبراليون يطالبون الجميع بالتزام السلمية والتعقل وعدم الاندفاع. مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين، الإسلاميون يتهمون الآخرين بالولاء للغرب وبث الفتنة، والعلمانيون يتهمونها بالعمالة للجيش.

شعرت بالملل، وتململت من الصراعات التى لاتنتهى بين النشطاء، وعزمت أمرى على النزول. جهزت ملابس مناسبة للتظاهر، وأعددت البصل والخل والكولونيا اللازمين لمواجهة قنابل الدخان، واتصلت بصديق لى لنلتقى عند المكان المحدد للمظاهرة.

وقبل مغادرة بيتي تذكرت كلمات المذيعة رشا مجدى على التلفزيون المصرى ليلة أمس: «إن المجلس الأعلى هو حامى مصر، والقوات المسلحة المصرية هى الضمانة الوحيدة لبقاء الدولة المصرية، وأن سيادة المشير بحكمته المعهودة قرر عدم مواجهة تظاهرات الغد».

ما إن بدأت التجمعات، وعلت الهتافات، وتحركت الجموع نحو الميادين المتفق عليها، تجمع الآلاف من جنود الأمن المركزى والشرطة العسكرية مغلقين كل الطرقات المؤدية للميادين، لاسيما ميدان التحرير.

وقف المتظاهرون أمام حشود الأمن والشرطة العسكرية يهتفون ضد الفقر والظلم والتعذيب والمحاكمات العسكرية، وفجأة تحركت جموع الأمن والشرطة العسكرية وانهالت ضربا على المتظاهرين، وامتلأت السماء بقنابل الدخان، وطافت سحب الدخان بكل مكان، وعلا الصراخ، وسقط الكثيرون مغشيا عليهم، وهرولت سيارات الإسعاف لنقل المصابين، إلا أن قوات الأمن منعت السيارات من المرور.

اشتبك المتظاهرون مع حشود الأمن، ورشقوهم بالحجارة، وظلت المعركة دائرة حتى منتصف الليل، فانهارت جموع الأمن، وازداد المتظاهرون عدداً، وبدا وكأن مصر كلها فى الشارع.

وفى نهاية اليوم كان المتظاهرون يحتلون كل الميادين، والشرطة العسكرية والأمن المركزى قد ولوا الأدبار، وأعلن الثوار الاعتصام فى الميادين حتى رحيل المجلس العسكرى، ومحاسبة قتلة الثوار.

واستمر الثوار لثمانية عشر يوما فى الميادين حتى يوم الحادى عشر من فبراير، ففى حوالى السادسة مساءً، أذاع التلفزيون المصري بياناً، لما سموا أنفسهم بحركة «ضباط 8 إبريل» أعلنوا فيه أن ضباط الجيش يرفضون مواجهة الثوار، ويتبنون مطالب الثورة، وأن دور الجيش فى الشارع حماية المنشآت العامة والخاصة وحسب.

عدت إلى بيتى منهكا، بعد ثمانية عشر يوما فى الشارع، ورحت فى نومٍ عميق، وأفقت فى الصباح وقد وضعت أمى جرائد اليوم أمامي، على عجل تصفحت الجرائد، وكانت العناوين الرئيسية:

فى الأهرام عنوان يملأ نصف الصفحة «انتصرنا» وتحته عنوان بخط أصغر «ليلة سقوط المشير، تفاصيل آخر ساعات فى حكم المجلس العسكري»، وفى جريدة الفجر عنوان رئيسي «أسرار العلاقة الجنسية بين اللواء المخلوع والراقصة قمر»، وفى جريدة الاشتراكية عنوان رئيسى «الطبقات الكادحة تسقط مجلس الفساد»، وفى جريدة المصرى اليوم عنوان آخر «هل شارك الإسلاميون فى الثورة؟».

اجتاحني الملل من الجرائد، فقمت من فورى لأتصفح الإنترنت، وجدت بيان للدعوة السلفية ينشره أصدقائى السلفيون بعنوان «وسقط مجلس العلمانيين»، وأكد البيان على دور الدعوة السلفية فى إسقاط المجلس العسكري.

فيما صرح الشيخ عاصم عبد الماجد أن الله قد أسقط الظلم والطغيان بعد عقود طويلة من حكم العسكر، وثمّن مشاركة أبناء الجماعة الإسلامية فى إسقاط المجلس.

لم أحتمل هذا القدر من البيانات، فأغلقت الحاسوب، ونهضت من مجلسى إلى صالة البيت، فتحت التلفاز كان برنامج «آخر كلام» للإعلامى يسرى فودة، وكان يستضيف الدكتور أسامة الغزالى حرب، الذى أكد على دور حزب الجبهة الرائد فى إسقاط مجلس العسكر، الذى قفز على شرعية ثورة الخامس والعشرين من يناير.

بينما اتصل الشيخ عبد المنعم الشحات وصرح أن دور العلمانيين فى الثورة محدود، وأن الإسلاميين بجهادهم ضد المجلس العسكري الظالم كانوا السبب الرئيس وراء سقوطه وتسليم الحكم للمدينين، ودعا إلى بناء دولة مصرية حديثة تحكمها الشريعة الإسلامية.

انتباتنى حالة من الجنون، وفاقت التصريحات والبيانات قدرتى على الاحتمال، فهممت بإغلاق التلفاز، بيد أنى تذكرت دور التلفزيون المصري فى التحريض ضدنا طيلة الثمانية عشر يوماً.

كانت المذيعة رشا مجدى تقف فى وسط الشاشة، يعلو وجهها ابتسامة، ويكسو صوتها ابتهاج، وقالت بصوت يملؤه التعب: «نعم سقط المجلس العسكرى، نعم انتهى عصر الاستبداد، نعم انتهى عصر الذل، من اليوم لا للذل، لا للقمع، لا لاستعباد المصريين، وقبل أن تختم وجهت اعتذار للشعب المصري عن تغطية الإعلام المصري للثورة وقالت: من اليوم لا إعلام موجه، لا إعلام يتلقى التعليمات الأمنية، لا إعلام منفصل عن الشارع، عاشت الثورة».


Share/Bookmark