الثلاثاء، 13 نوفمبر، 2012

حقيقة زواج الأطفال في الشريعة الإسلامية

Q8Me-5fb8d3ecb7

من العسير جدَّا أن تتعرض لآية في كتاب الله وتستنبط منها حكماً قد يكون صادماً للبعض، وهذا ما وقع مع الآية الرابعة من سورة الطلاق، حينما استنبط منها البعض أو ربما الكثيرون جواز تزويج القاصرات أو بتعبير آخر الأطفال، لقوله تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ)، فدل ذلك على أن مَنْ لم يبلغ الحلم يسمى طفلاً، ولذا سأعمم لفظ زواج الأطفال في ثنايا المقال.

كلامُ في تفسيرِ الآية:

(وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)

تفسير كتاب الله ليس بالأمر اليسير على أي إنسان، بل هو بحاجة لجمع علوم شتى وإدراك طرائق شتى لاستخراج المعانى من الألفاظ، ولذلك اعتنى أهل العلم بكتاب الله وتدارسوه ووضع له القواعد والعلوم لفهم معانيه.

أول العلوم المنوط بها تفسير القرآن هو علم اللغة ويليه أسباب النزول لأنها تجعلك تدرك السياق التاريخي التى وردت فيه الآية ولهذا فضل كبير في فهم العام والخاص في القرآن.

ولهذا فإنني سأبحث أولاً في السياق التاريخي للآية الرابعة من سورة الطلاق، لأن الظرف التاريخي قد يجلى شيئاً غامضاً يوضح معنى الآية.

أخرج ابن جرير وإسحاق بن راهويه والحاكم وغيرهم عن أُبي بن كعب قال: لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد من النساء قالوا: قد بقي عدد من النساء لم يذكرن الصغار والكبار (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ) فأنزلت: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ). (ص269، لباب النزول في أسباب النزول، السيوطي)

تحمل تلك الرواية دلالة هامة أبنى عليها مقالي في الآية، حيث أن بعض النسوة اشتكين لرسول الله من ورود آية في عدة المرأة الحائض ولم ترد في غيرها، ثم حددوا غير التى تحيض وقالوا الصغيرة والكبيرة الآيسة والحامل.

نفهم من هذا السياق أن الآية جاءت في معرض الجواب عن سؤال نسوة هم على ذاك الحال، أي أن فيهم الآيسة والطفلة والحامل، وعلى هذا فإن الآية جاءت جواباً على واقعاً بالفعل، ولم تجئ لتحدد حالات الزواج المقبولة شرعاً، لا سيما وقد حدد القرآن سن التصرف في المال والنفس بحد النكاح\ البلوغ كما في آية سورة النساء (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)

قد يقول قائل إن سكوت الله في هذا المحل دون ذكر نهى أو زجر أو تقبيح يعنى اقرار الله لهذه الزيجات، وأقول إن الاقرار دلالة ضمنية تتأرجح من عقل إلى عقل، والدلالة الضمنية ليست قطعية الدلالة بل هى مظنة العقول، والعقول تتفاوت في استخراج المضامين من الألفاظ.

ولما كان الأصل في النكاح\الوطء التحريم، قال ابن حجر\فتح البارى: ((الأصل في الأبضاع (الفروج , وهو جمع بضع وهو الفرج , كناية عن النساء والنكاح ) التحريم إلا ما دل عليه الدليل.)) فيلزم توافر دليل قطعي الدلالة على تحليل ما حرم الله. ولا يتم الحِلُ هنا بمجرد السكوت عن بيان الحكم.

فإن قال قائلهم قلت قولاً لم يسبقك به أحداً والقرآن أجاز زواج الأطفال أنقل إليه الآتى: يقول الإمام العلامة شيخُ الشافعية علي بن محمد بن علي الطبري الشهير بإِلْـكِيا الـهَرَّاسي: ولما ثبت أن المراد باليتيمة البالغة, ولم يكن في كتاب الله دلالة على جواز تزويج الصغيرة, لا جرم صار ابن شبرمة إلى أن تزويج الآباء للصغار لا يجوز, وهو مذهب الأصم. (1\314، أحكام القرآن)

فإن قال قائلاً منهم كيف يتصور أن يكون للطفلة عدة وهى لم تتزوج؟

يجيب الإمام العلامة إِلْـكِيا الـهَرَّاسي: النكاح في حق الصغيرة، إن لم يتصور، فالوطأ الموجب للعدة متصور، وليس في القرآن ذكر الطلاق في حق الصغيرة، إنما فيه ذكر العدة، والعدة تجب بالوطء، والوطء متصور في النكاح الفاسد. (1\315، أحكام القرآن)

ومن ثمّ يُتصور أن أصل النكاح فاسد، لكن الله قد وضع قواعد الخروج من هذا النكاح عبر تحديد عدة الطفلة الموطوءة.

ويمكن تقديم تصور آخر عبر التفسير اللغوي أن الكلام في الآية عن المرأة المريضة التى بلغت ولم تحض وهى متزوجة لا سيما وقد ورد لفظ (نِسَائِكُمْ) في بداية الآية (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ) والنساء تطلق عادة على البالغات كما ورد في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ) وليس ثمة خلاف على أن المرأة المكلفة بالحجاب هى المرأة البالغة، فإن البلوغ من شروط التكليف.

ومن ثم فإن لفظة (نِسَائِكُمْ) قد يؤكد معنى الآية في أنها النسوة اللائي لم يحضن لأسباب مرضية وليست الطفلة كما استنبط المفسرون ذلك.

كلامُ في النص الشارح (السنة):

قال رسول الله (لا تنكح اليتيمة حتى تُستأمر) وحقيقة اسم اليتيمة للصغيرة لغة، قال النبي: ( لا يُتم بعد الحُلُم) ولذلك نهى النبى عن إنكاح اليتيمة ومده إلى غاية الاسئتمار، ولا تصير أهلا للاستئمار إلا بعد البلوغ، كما ورد في قوله تعالى: (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) فيتضمن البلوغ كأنه قال: حتى تبلغ وتستأمر.

كلامُ في الإجماع:

نُقل الإجماع على جواز تزويج الطفلة وممن نقل الإجماع: الإمام أحمد , ومحمد بن نصر المروزي ، وابن المنذر , , وابن عبدالبر , والباجي ، وابن العربي , والنووي , وابن حجر وغيرهم.

يقول الشريف د.حاتم العوني: الإجماع منقوضٌ بخلاف قديم , فلا يصح , فقد منع من تزويج الصغيرة عددٌ من أهل العلم , منهم الإمام التابعي الفقيه الجليل عبدالله بن شُبرمة فقيه العراق وقاضي الكوفة (ت144هـ) , وفقيه البصرة التابعي الإمام عثمان بن مسلم البَـتِّي (ت143هـ).

حكى ابن حزم عن ابنُ شبرمة: لا يجوز إنكاح الأب ابنته الصغيرة حتى تبلغ وتأذنَ، ورأي أمر عائشة رضى الله عنها خصوصاً للنبى، كالموهوبة، ونكاح أكثر من أربع. (ص 1600، المحلى لابن حزم)

(النص منقول من عندي ولم يرد على لسان الشيخ إنما أوردته للتدليل على صحة كلام الشيخ).

وقال أيضاً: فليس بإجماعٍ ما وقع فيه مثلُ هذا الاختلافِ القديم , وتَشْذِيذُ أقوالِ أهل العلم المخالفةِ لقول الأكثرين لا يكون بغير ضابط ؛ ولا يكون بمجرد دعوى الإجماع المنقوضة بخلاف من خالف ؛ لأن خلافهم يدل على عدم وقوع الإجماع. انتهى كلامه

وقد رأيت أن جل العلماء الذين حكوا الإجماع قد اعتمدوا على رواية البخاري في سن زواج السيدة عائشة، ولهذا أحيلكم إلى بحث الأستاذ إسلام البحيري بشأن سن زواجها.

السيرة و أمهات الكتب ترد على أحاديث البخارى وتؤكد أن ابنة أبى بكر تزوجت النبى وهى فى الثامنة عشرة من عمرها.

أقوال أهل العلم:

يقول الشيخ ابن عثيمين (من أئمة السلفيين) في الشرح الممتع (12/57-58) : «من دون تسع السنين ليس لها إذن معتبر؛ لأنها ما تعرف عن النكاح شيئًا ، وقد تأذن وهي تدري ، أو لا تأذن ؛ لأنها لا تدري ، فليس لها إذن معتبر ، ولكن هل يجوز لأبيها أن يزوجها في هذه الحال نقول : الأصل عدم الجواز ؛« لقول النبي لا تنكح البكر حتى تستأذن» ، وهذه بكر , فلا نزوجها حتى تبلغ السن الذي تكون فيه أهلاً للاستئذان ، ثم تُستأذن .

وقال ابن عثيمين في شرحه على البخاري , معلقا على الاستدلال بالآية ﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾: الشاهد في هذا الباب قوله تعالى ﴿وَالَّلائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾، يعني : اللائي لم يحضن عدتهن ثلاثة أشهر ، ولا عدة إلا بعد نكاح ، والتي لم تحض على حسب استدلال البخاري (رحمه الله تعالى) هي التي لم تبلغ ، أي: صغيرة. ولكن قد يقال : إن البلوغ ليس علامته الحيض فقط ، فقد تبلغ بخمس عشرة سنة وتُزوَّج ، ولا يأتيها الحيض ، فهذه عدتها ثلاثة أشهر ، فلهذا استدلال البخاري فيه نظر ؛ لأنه ما يظهر لنا أنها تختص بمن لا تحيض ، فإنه يمكن أن تبلغ بتمام خمس عشرة ، بالإنبات ، أو بالإنزال كما هو معروف.

ثم استطرد رحمه الله: فالمسألة عندي أن منعها أحسن ، وإن كان بعض العلماء حكى الإجماعَ على جواز تزويج الرجل ابنته التي هي دون البلوغ ، ولا يعتبر لها إذن ، لأنها ما تعرف مصالحها .

فالذي يظهر لي أنه من الناحية الانضباطية في الوقت الحاضر ، أن يُمنع الأبُ من تزويج ابنته مطلقا ، حتى تبلغ وتُستأذن ، وكم من امرأة زوّجها أبوها بغير رضاها ، فلما عرفت وأتعبها زوجها قالت لأهلها : إما أن تفكوني من هذا الرجل ، وإلا أحرقت نفسي ، وهذا كثير ما يقع ، لأنهم لا يراعون مصلحة البنت ، وإنما يراعون مصلحة أنفسهم فقط ، فمنع هذا عندي في الوقت الحاضر متعين ، ولكل وقت حكمه .

يقول الإمام الطاهر بن عاشور: بلوغ صلاحية الزواج تختلف باختلاف البلاد في الحرارة والبرودة ، وباختلاف أمزجة أهل البلد الواحد في القوة والضعف ، والمزاج الدموي والمزاج الصفراوي ، فلذلك أحاله القرآن على بلوغ أمد النكاح. (التحرير والتنوير)

المصادر:

التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور

الشرح الممتع، شرح البخاري، ابن عثيمين

المحلى، ابن حزم

أحكام القرآن، الكيا الهراسي

أسباب النزول، السيوطي

البخاري وعليه شرحه المسمى فتح البارى، ابن حجر

مقالات متفرقة


Share/Bookmark

الجمعة، 9 نوفمبر، 2012

السلفيون والخوارج.. في البذور والجذور والثمار

2012-634880697784216761-421_main

تلك سطور أكتبها تحت زعم المحاولة لربط النموذج السلفي المعرفي بنماذج معرفية  تاريخية أخرى وردت في ظروف تاريخية شبيهه، ولأن السلفية\الأصولية هى شبيهه إلى حد بعيد عما كان عليه الخوارج من جهة التكفير والغلظة، وعما كان عليه بنو أمية من التوق إلى حكم الناس، فإنني سأعرض بالمقارنة بين النموذجين السابقين والنموذج السلفي\الأصولي الحالي.

في العام الخامس والثلاثين بعد الهجرة كانت دولة الخلافة تغلى تحت بطش حكام بني أمية وظلمهم للعباد، وكان الحاكم آنذاك عثمان بن عفان يبلغ من العمر اثنتين وثمانين عاماً، كان عمر حسنى مبارك أربعة وثمانين عاماً، وقد أسند عثمان المناصب الكبرى في بلاده إلى أقربائه من بنى أمية وترك لهم حبل الدولة على الغارب، وأطلق أيديهم في مال المسلمين ونفوسهم.

وللتدليل على حدة الثورة ضد عثمان سأذكر لكم رواية الواقدي عن الحوار الذي دار بين علي وعثمان حينما نصحه علي في أمر تولية أقربائه من بنى آمية  فرد عليه عثمان قائلاً: والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا عبت عليك إن وصلت رحمًا وسددتَ خَلة أنشدك الله يا علي أتعلم أن عمر ولى المغيرة أو ليس ذلك قال‏:‏ بلى قال‏:‏ فلم تلومني إن وليت ابن عامر في رَحِمه وقرابته قال‏:‏ سأخبرك إن عمر كان كل من ولي فإنما يطأ على صِماخه إن بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى غاية أنت لا تفعل رفقة بأقربائك.

ولهذا السبب اجتمع الثوار من المسلمين يريدون عزل عثمان عن الحكم، وكان على رأسهم ثوار من مصر والكوفة  والبصرة، وكان عدد ثوار مصر يقارب الستمائة وثوار أهل الكوفة وثوار البصرة كلاهما عددهم كعدد أهل مصر، وحدث حوادث كثيرة مختلف في تفاصيلها بين المؤرخين، المهم منها أن الثوار حاصروا بيت عثمان بن عفان، ووثبوا عليه بعدما دام الحصار أربعين يوماً وقتلوه وقتلوا غلامين له. وأخذت السيدة نائلة زوجة عثمان قميصه مخضباً بدمائه وأرسلته إلى معاوية بن أبي سفيان وقالت أنت وليه، يعنى أنت ولى دمه والمخول بأخذ ثأره.

وفي سياق آخر كان الثوار آنذاك يطلق عليهم أهل الفتنة، أو المنحرفون، أو المتمردون حسبما ورد في كتب المناصرين لعثمان بن عفان.  آنذاك كانت الظروف أشبه بظروف مصر إبان الثورة، اضطرابات في البلاد، وحالة استقطاب حادة بين من يطلبون دم عثمان أولاً وبين من يريدون تنصيب خليفة من غير أهل الثورة ويمكنك تسميتهم في هذا الإطار بدعاة الاستقرار!

ولما وصل خبر تولية علي بن أبي طالب إلى معاوية  بن أبي سفيان رفض معاوية مبايعة  علي وتحجج بأن دم عثمان وثأره قبل البيعة، وقال إن الثأر قبل البيعة وإلا فإن علي قد عطل حدود الله ولا تجوز ولايته.

المهم سيًرت الجيوش ووقعت موقعة الجمل وبعدها موقعة صفين ومات ما يربو على سبعين ألفاً من المسلمين في تلك الفتنة بين كبار الصحابة ثم كان ما كان من أمر التحكيم بين علي ومعاوية وسأشرح بالتفصيل قصة التحكيم والذي خرج من رحمها فرقة الخوارج\السلفية.

لما كان من أمر القتال الشديد بين الطرفين نادى فريق من الناس بتحكيم شرع الله بين الطرفين، لأن الحق فيما زعموا يومئذ لم يكن واضحاً، بل كان ملتبساً بين الطرفين، وهذا غلط كبير، لأن الحق كان واضحاً بين بقايا نظام قتل حاكمه وبين حاكم شرعي بايعه الناس آنذاك.

على كل حال وصل هذا المقترح إلى معاوية بن أبي سفيان فأعجبه، وأمر برفع المصاحف على أسنة الرماح، وفي رواية أخرى يقولون أن المقترح برمته كان من عمرو بن العاص داهية العرب، وهذا شبيه بما حدث وقت الاستفتاء من الإخوان والسلفيين حينما رفعوا للقوى السياسية الأخرى المصاحف على أسنة الرماح، فقالوا من قال نعم لتعديل الدستور فقد أصاب الشرع، ومن قال لا فقد نال من الشرع.

حينما رأى علي المصاحف على أسنة الرماح ولما كان من طيبة نفسه، قبل علي بتحكيم الكتاب\القرآن بينه وبين معاوية وقال: (نعم بيننا وبينكم كتاب الله، أنا أولى به منكم).

وتم الاتفاق على التحكيم وبدأ كل فريق يختار من يخرج لهذ المهمة، ولم يكن في جيش معاوية  ثمة اختلاف على من يتولّى أمر التحكيم، فاختاروا عمرو بن العاص رضي الله عنه، والذي كان بمثابة الوزير الأول لمعاوية، أما جيش علي لما عرض عليهم أن يخرج عبد الله بن عباس رفضوا وطالبوا بخروج أبو موسى الأشعري وبالفعل خرج أبو موسى وعمرو  في مكان في صفين ، وارتضيا على أن يتحاكما إلى كتاب الله وأن يرضى كل فريق بالحكم، فأعطاهم القوم العهود والمواثيق على ذلك، فجلسا سويًا، واتفقا على أنهما يجلسان للحكم في رمضان من نفس العام، وكان حينئذ في شهر صفر سنة 37 هـ، وذلك حتى تهدأ نفوس الفريقين ويستطيع كل فريق أن يتقبل الحكم أيًا كان.

وبعد الاتفاق كان الأشعث بين قيس يقرأ الكتاب\الاتفاق على جيش علي فخرج رجل يدعى عروة بن جرير من بني ربيعة من تميم، وقال للأشعث بن قيس رضي الله عنه: أتحكمون في دين الله الرجال؟!

وأخذت هذه الكلمة طائفة من جيش علي، وبدأت تتحدث بها، وكان الكثير ممن ردد هذا الأمر من حفاظ القرآن الكريم، وشديدي الورع والتقوى، وممن يكثرون الصلاة بالليل والنوافل، فأخذوا هذه الكلمة وقالوا: أتحكمون في دين الله الرجال؟ وغضبوا لأمر التحكيم وقالوا: لا حكم إلا لله.

وهنا يتلقى النموذج السلفي\الأصولي مع النموذج الخوارجي، حيث أنه ثمة عامل مشترك بينهم، أنهم كثيري الصلاة، حفاظ لكتاب الله، ويرفعون سيف إن الحكم إلا لله في وجه من يخالفهم.

وصل عدد الخوارج عند وصول جيش علي إلى الكوفة إلى حوالى اثنتي عشر ألفاً وكان من بينهم ثمانية ألالاف  يسمون القراء وكان غالبيتهم من قرية "حروراء" وكانوا شديدي الرفض لقضية التحكيم وكانوا يرونها تفريطاً في شرع الله من جانب علي أمير المؤمنين.

ولما بلغ أمرهم ذروته وضاق صدر علي بهم ذهب إليهم ليحاورهم، والمحاورة غاية في الأهمية لذلك أنقل جزءاً كبيراً منها:

قال علي بن أبي طالب لهم: ماذا تأخذون علينا؟

قالوا: انسلخت من اسم سماك الله به -يقصدون اسم أمير المؤمنين- ثم انطلقت، فحكّمت الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله.

وهنا يلتقى النموذج السلفي مرة أخرى مع نموذج الخوارج في الإعلاء من قيمة النص بغض النظر عن السياق النصوصي والسياق التاريخي الوراد فيه النص، إنه ذات الجمود الذي نعانى منه في اللجنة التأسيسية من سلفيين يرفضون كلمة السيادة للشعب لأنهم يرون أنه لا سيادة إلا الله وهو ذات منطق الخوارج في عبارة لا حكم إلا لله.

فقال علي لا يدخل علي إلا من يحمل\يحفظ القرآن، فدخل عليه ثمانية الألاف، فأمسك بالمصحف وأخذ

يهزه، فقالوا له: ما تفعل؟، فقال: إنى أسأله (يقصد المصحف)، فقالوا له: إنما هو مداد في ورق.

وهنا أوقعهم علي في المناظرة لأنهم اعترفوا أن القرآن لا ينطلق بلسانه إنما كما قال علي: هو كتاب مسطور بين دفتي ينطق به الرجال.

وراح علي يسرد لهم الأمثلة على ماورد في كتاب الله ومن فعل الرسول لكنهم لم يرتدعوا ولم يعودوا عما في رؤوسهم وكان الدافع وراء ذلك نوايا طيبة هى الإعلاء من شأن كتاب الله، وهى نقطة التقاء أخرى بين النموذجين، فأنا لا أشكك في نوايا السلفيين في حبهم للكتاب والإعلاء من قيمته ولكنهم يعلون منه على طريقة الخوارج.

ودخل عبد الله بن عباس طرفاً في المناظرة، وعاد من الخوارج خلق كثير، ربما يقدرون بأربعة الألاف، وبقى بعضهم على عنادهم، واستمر علي في إرسال الرسل لهم لمحاورتهم، لكنهم أبوا إلا تحكيم كتاب الله.

قرب عقد المجلس الذي سوف يتم فيه التحكيم، بدأ هؤلاء يتعرضون لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بما لا يليق، وخرجوا عن دائرة النقاش المهذب، وبدءوا بالسباب، والشتائم، وعلي رضي الله عنه يصبر عليهم، ويردّ عليهم بالتي هي أحسن تجنبًا للفتن، واستمرّ الوضع هكذا يزداد يومًا بعد يوم.

وهنا يشترك السلفيون\الأصوليون مع الخوارج في نقطة أخرى وهى استخدام السباب والشتائم ضد المخالفين رغم ماهم عليهم من الورع والتقوى في أقل شئ من حدود الله إلا أنهم يستحلون عرض المخالف لهم.

حتى قام له رجل منهم، وهو يخطب فقال له: يا علي أشركت الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله

وتنادوا من كل جانب: لا حكم إلا لله

فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هذه كلمة حق أًريد بها باطل.

ثم بدءوا يعرّضون بتكفير علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقابله رجلٌ منهم يومًا وقال له: يا علي لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين.

وهنا نقطة التقاء أخرى، فبعد السب والتخوين والشتائم، ينتقل الخارجي\السلفي إلى دائرة التكفير طالما لم

يرجع المخالف عن فكره، ويحتمى هنا بسيف حكم الله في يده ويقول ما أردت إلا كتاب الله.

إذن يمكننا عبر السرد التاريخي لقصة نشوء الخوارج، وعبر استدعاء النموذج المعرفي لهم من وقت نشوب الثورة ضد عثمان حتى الآن، أنهم أهل تقوى وصلاح شديدو الورع في حدود الله يحفظون كتاب الله ويجدون في الصلاة والصيام والقيام، يريدون حكم الله كما يفهمونه هم لا كم يفهمه غيرهم، ويلجأون مع غيرهم هذا بالحوار أولاً ثم الشتائم ثانية ثم التكفير ثم القتال في الأخير.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ،َ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ”.

المصادر:

المنتظم في تاريخ الملوك والامم، ابن الجوزي

فجر الإسلام، أحمد أمين

العدالة الاجتماعية في الإسلام، سيد قطب.

مجموعة مقالات متفرقة عن العهد الأموي. 


Share/Bookmark

الثلاثاء، 6 نوفمبر، 2012

محاولة لفهم الصراع حول الشريعة

02_11_2012_70464697580_407638

على الأقل في فترة قصيرة جدًا قد تناهت إلى مسامعك كلمة “الشريعة” ربما مرة أو اثنين أو أكثر في اليوم الواحد. صراع في الاستفتاء على تطبيق الشريعة وآليات تأخذك إلى الجنة بينما أخرى تلقى بك في جحيم النار. الفيصل بين الجنة والنار آنذاك كان الالتحاق بركب التيار المنادى بتطبيق الشريعة، بينما  الخسران المبين في اتباع سبيل العلمانيين الذين يرفضون تطبيقها بهذا الشكل.

من هنا أضحت الشريعة فيصلاً يفرق بين أيدولوجتين إحداهما تنادى بتطبيقها والأخرى تحذر منها، ونشب صراع كبير حول “الشريعة” وغزتْ الكلمة كل وسائل الإعلام بكثرة منذ الاستفتاء وحتى الصراع حول الدستور في الجمعية التأسيسية.

وفي محاولة للولوج إلى أصل الصراع ينبغي علينا أن ندرك ماهى الشريعة وماهى حدودها وكيف ينادى بها أناس إلى حد تكفير الآخرين وكيف يرفضها أناس إلى حد تجهيل الآخرين وكلاهما يزعم الانتماء إلى ذات الدين.

ينقسم الدين الإسلامي إلى شطرين أولهما العقيدة وثانيهما الشريعة. وتحت هذين العنوانين عناوين كثيرة وتفاصيل لا حد لها سنعرض لبعضها لاحقا.

العقيدة هى أصل الدين، هى الإيمان الذى وقر في القلب، والإيمان بمعنى التصديق، أي أنك مصدق بالله ورسله وملائكته وكتبه، وهنا اختلافات كثيرة حول مدى التصديق هل يكفى فقط بالقلب أم يجب أن يتابعه العمل على خلاف كبير بين الفرق الإسلامية.

والعقيدة تقسم إلى إلهيات (صفات الله)  ونبوات وسمعيات (غيبيات)، وهذا تقسيم المعتزلة والأشاعرة والماتردية بينما يختلف الأصوليون في هذا التقسيم ويقولون بالنص القائل أن العقيدة إيمان بالله وكتبه ورسله وملائكته والقدر خيره وشره، وكتب الأصوليين مقسمة بحسب هذا الترتيب.

والمفترض أن كل المسلمين يؤمنون بعقيدة واحدة في الله وكتبه ورسله وقدره، لكن نتيجة لظروف تاريخية عدة يغلب عليها الطابع السياسي لا سيما في العهد الأموي، انقسم المسلمون في الاعتقاد إلى فرق إسلامية عديدة وكان لكل منها قول في صفات الله وفي القدر.

والاعتقاد محله القلب، لا إكراه فيه، ولا وصاية لأحد على أحد فيه، غير أن هذه العبارة بتلك البساطة غير متفق عليها أيضاً بين الفرق الإسلامية، ففي سياق التاريخ الإسلامي أجبر المسلمون على اعتناق عقيدة الحاكم ونال المخالفين من التعذيب والقتل الشئ الكثير لمجرد اختلافهم مع الحاكم في الاعتقاد مما أدى إلى اختلاف سياسي هدد كرسي الحاكم، أبرز تلك الحوادث ما كان فيما سمي بفتنة خلق القرآن.

مصادر التلقى في الاعتقاد:

أما من جهة الاستدلال على تلك المباحث فالمعتزلة مثلا يقدمون العقل في الإلهيات والنبوات والسمعيات يقول القاضى عبد الجبار متحدثاً عن طبقات الاستدلال عند المعتزلة (الدلالة أربعة : حجة العقل ، والكتاب ، والسنة ، والإجماع ومعرفة الله لا تنال إلا بالعقل).

بينما يخالفهم أهل الحديث في هذا الترتيب ويقولون بتقديم الكتاب ثم السنة في أمور الاعتقاد ويجوزون الاستدلال بأحاديث الآحاد (بخلاف الحديث المتواتر، حديث يحتمل الشك لقلة رواته في طبقة ما) في العقيدة ويزعمون أنها تفيد العلم على خلاف أهل الرأي الذين يقولون أن أحاديث الآحاد تفيد الظن. بمعنى أن أهل الحديث في أمور الاعتقاد يحتمون بمظلة النصوص ولا مكان للعقل إلا من جهة موافقته للنص أما حين يقع التعارض فإن النقل مقدم على العقل بلا شك.

الشريعة:

الشريعة تنشطر أيضاً إلى قسمين عبادات ومعاملات، والعبادات توقيفية بمعنى أنه لا زيادة فيها ولا نقصان عما ورد في النص القرآني أو النص المفسر له (الحديث) كالصلاة والصيام والزكاة، وثمة صراع حول تلك النقطة بين الصوفية والسلفية في استحداث طقوس يعتبرها السلفيون عبادات ولذا يرفضونها ويبدعون أصحابها بينما يرى الصوفية أنها من قبيل السنة الحسنة كما ورد في النص الشارح (الحديث) على لسان الرسول.

المعاملات ويقصد بها ما ينظم العلاقة بين الناس في شئون حياتهم وتنقسم إلى أحكام الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق وما إلى ذلك، أحكام المعاملات المالية كالبيع والإجارة والرهن وغير ذلك، أحكام غير المسلمين في الدولة الإسلامية، أحكام الجنايات، وغير ذلك مما يندرج تحت مظلة ما يسمى بالقانون المدني العام والخاص بتعبيرات العصر.

مصادر التلقى:

ويقصد هنا بمصادر التلقى المصادر التى عنها يأخذ المسلمون تلك الاحكام، وهنا انقسام كبير بين المسلمين مثلما هم دائما منقسمون مثلما رأيت في ثنايا الشرح المبسط أعلاه، وهذا القسم يختص به علماء أصول الفقه.

اختلف العلماء في مصادر التلقى بالنسبة للأحكام فمنهم من قال القرآن والسنة والإجماع والقياس، ومنهم من زاد وقال الاستحسان وزاد آخر وقال فعل الصحابي ما لم يخالف غيره ومنهم من قال فعل أهل المدينة ويمكن الرجوع إلى منشأ الخلاف وكيف تطور بين أهل الرأي والحديث في بحث الدكتور نصر أبو زيد المسمى (الإمام الشافعي وتأسيس الأيدولوجية الوسطية).

ومن ثم لا يتفق علماء الأصول فيما بينهم على مصادر التلقى فمنهم من يقدم العقل عموما على كل نقل كالمعتزلة ومنهم من يقدم الرأي (العقل) على السنة باعتبارها نصا شارحاً وليست وحيا كالأحناف مثلاً ومنهم من يأخذ الترتيب السالف في أول هذا القسم باعتباره الأصح وهم عموم أهل الحديث.

وكلما تقدمت بك قراءتك ستتعثر في اختلافات كثيرة بين علماء الأصول في مسائل القياس والاستحسان وعمل الصحابة وعمل أهل المدينة وغير ذلك من الأدلة التى جاءت لتوسيع دائرة النص من جهة ولتعطيل العقل من جهة أخرى.

الشريعة والتطبيق:  

إذا نحينا العبادات جانباً باعتبار أنها توقيفية ومحلها القلب شأنها شأن الاعتقاد، وهذا افتراض مثالي فالأصوليون مثلا يرون فرض الصلاة على كل من يعتنق الإسلام ويعاقب إذا ترك الصلاة وتسيّر جماعات تأمر الناس بالمعروف وتنهاهم عن المنكر!

وعلى هذا فإن الشريعة\الاحكام هى محل النزاع بين الطرفين المتشتبكين في مصر، أو بتعبير أدق الصراع هنا ناشبُ بين القانون المدني وما يجوز أن نطلق عليه القانون الديني أو المستمد من نص ديني.

ولكن ثمة مشكلة أخرى يقودنا إليها مصطلح القانون الديني، فعلماء الشريعة متفقون فيما بينهم على عدم جواز تقنين الشريعة، بمعنى ألا تخرج في صورة قوانين كما هو الحال في القانون المدني، وإنما تظل على حالها الذي يزعمون أنها عليه منذ 1400 سنة ويظل القاضى الشرعي هو المنوط به الفصل في المنازعات وليس القاضى المدني، ويلزم للقاضى الشرعي بالضرورة أن يكون فقيها (رجل دين). (!)

لنعد مرة أخرى إلى أصل الخلاف بين الطرفين حول الشريعة، ولنتحدث بتفصيل أكثر حول الأحكام، فالقانون المدني مثلا يأخذ أحكام الأحوال الشخصية كما هى من الشريعة دون زيادة أو نقصان، وفي أحكام البيوع نتيجة لتغير الزمان والمكان اختلفت تلك الاحكام بالضرورة وليس عمداً.

لكن الخلاف الأكبر بين الطرفين حول الحدود (العقوبات) ومعاملة غير المسلمين في الدولة الإسلامية (المواطنة)، ففريق يعلى من شأن الميثاق العالمي لحقوق الإنسان بحيث يصبح حاكماً للدستور وفريقاً يعلى من شأن النصوص الدينية على اختلاف دلالتها لتكون حاكمة للدستور.

وحسما لهذا الخلاف قطعت المحكمة الدستورية بأن الشريعة الإسلامية المقصودة في المادة الثانية هى الأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وهذا ربما يكون نادراً جدا في الشريعة الإسلامية، إذ النصوص قطعية الثبوت تبقى القرآن فقط وبضعة أحاديث نبوية متواترة، ومن جهة الدلالة فإن القرآن فيه محكم ومتشابه، والمحكم نادر أيضاً مقارنة بالمتشابه الذى هو محل نزاع بين الفرق الإسلامية منذ قرون.

وذلك لأن عقول الناس تتفاوت في فهم آيات القرآن وتختلف وتتصارع وتتناقض في فهم الآية الواحدة فكيف نفض ذاك النزاع حول فهم وتفسير الآيات؟ ومن يحكم بصواب رأي او بخطأ آخر؟ هل كما يقول الأصوليون يفض الإمام\ ولى الامر النزاع؟ بمعنى أن تصبح سلطة التشريع في النهاية في يد الحاكم الذي يملك السلطة التنفيذية والقضائية باعتباره ولى الأمر؟

أفهم من هذا أن الغرض من الضجيج الدائر من الإسلامويين هو توسيع دائرة نفوذ الحاكم والتوسع في سلطاته بحيث يسيطر على السلطات الثلاث، والتوسع في دائرة النصوص بحيث نصبح خاضعين في كل أمور الحياة للنصوص التى عفا على تفسيراتها الزمن بحيث لم تعد صالحة لا للزمان ولا للمكان.

كيف نفض الاشتباك؟

تنقسم الشريعة من جهة أخرى إلى وسائل ومقاصد، والمقصد هو الغاية بعنى أن غاية الشريعة تحقيق  العدل مثلا فيكون العدل مقصداً من مقاصد الشريعة، والوسائل التى هى الطرق التى نصّ\أرشد إليها الشارع\الله هى الطريق للوصول إلى تلك المقاصد.

ويظهر من هذا التقسيم أن المقاصد فوق الوسائل لأنها غاية الدين، يقول أهل التنوير إنه مادام المقاصد فوق الوسائل وأن الدين حثنا على الوصول إليها فإن الوصول إليها من أي طريق كان هو صحيح عقلاً وشرعاً.

يقول الإمامُ ابنُ القَيِّم: "إنَّ الشريعةَ مبناها وأساسُها على الحِكَم ومصالِح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلها، ورحمةٌ كلها، ومصالِحُ كلُّها، وحكمةٌ كلها، فكلُّ مسألة خرجتْ عن العدل إلى الجَوْر، وعن الرحمة إلى ضِدِّها، وعن المصلحةِ إلى المفْسَدَةِ، وعن الحِكْمة إلى العَبَث، فلَيْسَتْ من الشريعة، وإن أُدْخِلَتْ فيها بالتأويل”.

ومن ثم فإن تشريع قوانين للعقوبات\الحدود ملائم للزمان، وسن تشريعات تحفظ لغير المسلمين حقوق المواطنة، إذا حافظت على مقاصد الدين التى أهمها العدل (وضعه المعتزلة بعد التوحيد في أصولهم للاعتقاد) فإن هذا لا يخالف الشريعة ويخرجنا من براثن الخلاف إلى ساحة اتفاق أرحب.


Share/Bookmark

الجمعة، 7 سبتمبر، 2012

الداعية والفنانة .. والسب المقدس

0انتابت الكثيرين صدمة بعدما سمعوا كلام د.عبد الله بدر أحد رجال الدين المسلمين والحاصل على درجة الدكتوراة في التفسير من الأزهر الشريف وهو يسب السيدة إلهام شاهين ويتهمها بالزنا ثم يلجأ لتبرير ذلك بأن أبا بكر قد قال لرجل: امصص بظر اللات.

فمن ناحية اعتبر البعض كوّن داعية يسب فنانة ويتهمها بالزنا هو عمل مشين، والبعض الآخر اعتبر نسبة السب إلى أبي بكر جريمة تستوجب العقاب.

والحق أن كلا الطرفين يجهل التاريخ الإسلامي ويجهل أيضاً الفكر السلفي النصوصي، فقصة أبي بكر ثابتة وتتناقلها كتب الحديث وربما تنقل ماهو أكبر من ذلك منسوباً إلى النبي في قصة الصحابي ماعز مثلا.

الأزمة من وجهة نظري ليست في كوّن الشيخ سبّاب يغرق مخالفيه بالشتائم ويستخدم الكلمات القرآنية في وصف مخالفيه كالكلب والحمار، ولكن الأزمة الحقيقية في تجاهل نصوص تحض على حسن الخلق لصالح نصوص تحتمل دلالة أخرى بعيدة كل البعد عن السب.

يقول الله تعالى: (قولوا للناس حسنا) وينهى في آية أخرى عن سب المشركين فيقول: (ولاتسبوا الذين يدعون من دون الله) ويقول لموسى وهارون ناصحاً إياهم (اذهبا إلى فرعون وقولا له قولاً لينا)، وفي الحديث: (ليس المؤمن بالسباب ولا اللعان).

الأزمة هنا تتجلى في تجاهل تلك النصوص وانتقاء نصوص بعينها لتبرير الواقع، إنها السياسة أو الهوى حينما يتلاعبان بالنص، حينما يتداخلان لصالح هوى النفس البشرية، حينما يصبح النص القرآني والحديث خادمين وليسا مخدومين، حينما يصبح النص خادماً لأيدولوجية أو لهوى نفس يتحول الإنسان هاهنا إلى جبار يتجاوز كل الخطوط الحمراء في المجتمع مبرراً ذلك عبر اجتزاء النصوص إما عن سياقها وإما اجتزاء النص من واقعه التاريخي.

مشكلة الفكر السلفي تكمن في نزع النصوص من سياقها التاريخي وزرعها في واقع اجتماعي مختلف ومتباين أشد التباين عن واقع تلك النصوص، دون النظر في ضرورات الواقع الجديد ومدى توافق النص مع الواقع من جهة، وماهى أولوية استخدام النص في هذا التوقيت أو ذاك.

فمن ناحية السب فليس بمستنكر تاريخياً إذا ما التجأ الشيخ لكتب التراث وانتزع منها الشتائم بين المذاهب، فليس غريباً على من قرأ بعض كتب الردود بين المذاهب أن يرى وصف أبو حنيفة الإمام بأنه أبو جيفة أو رميه بالزندقة واتهامه بالاستتابة مرتين، فذاك أمر معلوم من التاريخ بالضرورة.

ومن ناحية ثانية، وبغض النظر عن مكانة أبي بكر بين المسلمين، فاستعمال فعل أبي بكر كدلالة على جواز الفعل به خلل واضطراب كبير في الاستشهاد، وبه تجاوز لأبسط قواعد التدليل التاريخية.

أبو بكر صحابي جليل، وصاحب رسول الله، لكن مَنْ أثبت لأبي بكر صفات النبوة في التشريع، لاسيما والتشريع هنا ليس موافقاً للقرآن ولا لصحيح السنة، ومن قال أنه يجب علينا التأسى بكل صفات وأفعال أبي بكر؟

نعود إلى أزمة الفكر السلفي في تقديس النصوص حتى التاريخي منها متجاوزاً الاعتبارات والقواعد التى تحكم وتنظم عملية الاحتكام إلى النصوص وتأويلها.

يلجأ الفكر السلفي إلى اضفاء هالة من القداسة حول النصوص، ويحاول تقديم صورة للنص تكاد تجعله ينطلق بلسانه، رغم أن النص لا ينطق ولكن ينطق به الرجال إلا أنه يضعك بين خيارين (إما\أو) إما أن تقبل النص بالتفسير الشائع لدي أو أن لديك قصور وخلل في اعتقادك.

وهى آفة الأفكار الرجعية والتنظيمات الأصولية. الثنائيات النابعة من النظرة الأحادية للأمور، بغض النظر عن المساحة الرمادية في تفسير أي نص، إلا أنهم يتغاضون عنها لصالح التفسير الداعم للأيدولوجية.

مثلاً في واقعة أبي بكر والتى انفعل فيها دفاعاً عن رسول الله، وقال ما قال من كلمة يستعملها الشيخ ليبرر كلامه ضد الفنانة، تجاوز الشيخ بشرية أبي بكر مستخدماً مكانته التاريخية كدلالة على جواز ما قاله أبي بكر وجواز ماقاله الشيخ، والبشرية هنا تعنى القابلية للخطأ والقابلية للعصيان.

نعم أبو بكر يخطأ ويعصى، ونعم يخطئ الأنبياء أيضاً، بل ويعصون، ألم يسمع الشيخ قول الله "فعصى آدم ربه فغوى" ؟ ألم يقرأ عن بشرية الرسول في قصة تأبير النخل وقوله لأصحابه "أنتم أعلم بشؤون دنياكم"؟

لا أشك أن الشيخ قرأ وعلم وفهم، بيد أن التحيز الأيدولوجي يخفى الكثير من الحقائق لصالح الجماعة أو التنظيم أو حتى الفرد المؤيد للفكر.

عبر حقائق التاريخ أيضاً يمكن للمرء التدليل على جواز الزنا مثلاً كما فعل الصحابي ماعز والمرأة الغامدية وكلاهما رأى رسول الله وثبت صحبتهم لرسول الله، بغض النظر عن كوّن مكانتهم أقل، إلا أن استخدام منطق الشيخ لتبرير سوء الخلق يمكننا من التدليل بفعل الصحابيين على جواز الزنا، متعامين عن النصوص القرآنية الناهية عن الزنا.

إذن التاريخ قابل للتدليل على كل شئ إذا ما أضفيت عليه مسحة القداسة، وانضاف إلى النصوص المقدسة مع توافر الهوى الأيدولوجي عند المفسر يمكن استعمال النصوص التاريخية لتبرير كل الواقع أيدولوجيا.

وهنا تكمن خطورة الفكر السلفي في تجاوز مايختلف مع أفكاري لصالح مايتفق معها، ويستعمل النص كأداة يطوعها المتحيز للفكر كيفما شاء متغاضياً عن احتمالية النص للتأويل من جهة، ومتعامياً عن بعض النصوص التى تفقد النص الذي يحتج به دلالته.

وهنا تقدم العلمانية حلاً يفك الاشتباك بين النصوص وتفسيرها، حيث أولاً ومن منطلق أولي تقدم العقل على النقل، ومن هذا المنطلق لا قداسة لبشر، إنما كل القداسة للنص في صورته الأولية، لا في صورته التفسيرية.

ومن منطلق ثاني تقدم العلمانية رؤية أكثر شمولاً واتساعاً للنصوص، حيث أنها ترفض سلطة الكهنوت، فمن ثمّ فإنها تقبل كل التفسيرات للنص مادام لا يخالف التفسير القواعد والأعراف المتفق عليها في العلوم المنوط بها تحليل الخطاب وتفسير النصوص.

ومن ناحية ثالثة، فإن العلمانية تأبى استعمال النصوص كتبرير للواقع، فإنها تفصل بين ماهو سياسي وبين ماهو ديني، أو بمعنى أدق تفصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية، فيصبح النص بمنأى عن التلاعب به، ويصبح الواقع عرضة للتحليل العلمي دون اضفاء قداسة عليه.

.


Share/Bookmark

الأربعاء، 1 أغسطس، 2012

مناجاة عاشق (محاولة صوفية)

لا تدركها الأبصار، وهى تدرك القلوب العاشقة.

في تجليها تحتجب الملائكة خشية الاحتراق، وتشرق ألوهيتها على سماء دنيا عشّاقها، عاشق ذبل في حضرة مولاته، وعاشق تلاشى في ذاتها حتى صار في تجليها غيره، وعاشق شرى نفسه بالجهاد في حبها.

طفلة سماوية التكوين، تجلت في رحم السماء منذ الأزل، وخر عشاقها لها منذ القدم، فهى قديمة كالأزل، جديدة كالأبد، لها نعيمها وجحيمها، فإن رضت منحت، وإن رضت منعت، فالأمر كله لها، والعشق كله بيديها، والنور مشرق بين ثنايا كفوفها.

تجلت ذات يومٍ لي، وقد كنت في حضرتها منذ سنون مضت، ونهضت لأدرك نورها، فتعثرت في صفاءها، واتكأت على طفولتها لأنهض مرة أخرى لأدرك لحظة التجلى، فغرقت في لجة بحرها، ورحتُ بغير هدى أصارع أمواجها، رغم عتوها وشدتها، بقيتُ طافياً كالموتى من الأسماك.

غير أني أحيا في ضياءها، وأذوب فى ذاتها، حتى تتحد أرواحنا. وكان الاتحاد عسيراً، فرضيت بحلولها فيّ، ولم ترض بحلولي فيها، وقالت: كافرُ، رغب عن ملة آبائنا.

قلتُ: الحب دين آبائي وآبائك، والعشق مذهب أهل الحقيقة.

قالت: لا علم لي بمفرادتك، صوفي أنت، أم عاشق مجنون؟

قلتُ: محبٌ على بابِ حضرتك، ألمح طيفك، وأرغب في لحظة التجلى، فهل يؤذن لي بالولوج إلى عالمك؟

قالت: ما أدرك عاشق غايته إلا بالاختبار، وما وصل محبُ إلى فؤاد محبِه إلا بالاحتراق في النار.

قلتُ: محبُ أتاكِ على جواد الدهر تائباً، ونار العشق أولى بالمذنبين من العشاق، عِرفتُ قبلكِ وماعرفتُ، وعشقت قبلك وما عشقت، واكتويت بنار الحب حتى هويت إلى دركة العشاق.

وانطلق لساني في حضرة سيدتي، فبوحت بالكفر في داخلي، وأطلقت عنان إيماني بها، وسجيتُ جسدي على أرضٍ وقلتُ: ميت بين يدي سيدته، فإن أرادت أردتُ، وإذا شاءت شئتُ.

فمست على مهل يدي، وطاف نورها في باطني، فالتمع داخلي، وشعرت بنور ونار، فأشرقت بنورها، واكتويت بنارها، فبدت أشد مما بدت في تجليها الأول، واستحال طيفها طفلة تركض في باطن أجدب.

وتبسمتْ، ففتحت خزائن، وهبطت رحمات، واخضرت أرض باطني، ودبت حياة في قلب فارق الحياة، واشتعل باطني بالنور، فلفظت كفري، وفضحت إيماني.


Share/Bookmark

الاثنين، 23 يوليو، 2012

ثورة يوليو وثورة يناير.. تكامل أم اختلاف؟

nasser8هل الانخراط فى مناقشة الماضى مجدية؟

سؤال طرحته على نفسي بعدما كتبت بعض السطور في مقال عن ثورة يوليو بما لها وبما عليها.

وأظن أننا سننقسم ثلاث فرق، فرقة مع وفرقة ضد وفرقة تحاول الوقوف على الخط الفاصل بين الانتماء والرفض.

أنا لست من جيل يوليو بطبيعة الحال، لكني ممن تأثروا بما فعلته ثورة يوليو، فمن منطلق المعادين لثورة يوليو، أو بتعبير أدق انقلاب يوليو، قضيت عمري كله إلا قليلاً تحت حكم عسكري فاشل، أدار مصر لثلاثين عاماً بمنطق العزبة، وكان منطق العزبة هو من منجزات ثورة يوليو.

ومن زاوية أخرى، انتقال أبي من الطبقة الفقيرة -جدا- إلى الطبقة المتوسطة يبقى من منجزات يوليو، بغض النظر عن سياسات السادات، أحد أبناء يوليو، في الاقتصاد، والتى تركت مصر على حافة الانهيار بعد سلسلة من الديون وفوائد الديون أغرق فيها السادات مصر.

إذن لتلك الثورة وجهتين، كالعملة، يمكن النظر إليها عبر إحداهما، ويمكن النظر إليها عبر كليهما، ولكن كيف ننظر إليها بدقة وإنصاف والتاريخ يكتبه المنتصرون فحسب، بينما المهزمون ينزون في ركن قصي من الحياة.

حركة التاريخ ليست دائرية ولا خطوط مستقيمة يمكن السير عبرها لنصل إلى نقطة الابتداء لننطلق منها، بأيهما تبدأ: منجزات العصر السابق أم إخفاقاته أم تنطلق من بدء الثورة مناقشاً ما لها وما عليها؟

إن الأساس الذي يمكن أن ننطلق منه هو المقارنة بين نظامي الحكم في عهد فاروق وناصر، وليس منجزات عصر كل منهما بطبيعة الحال، فترسيخ المبدأ أهم من مؤشرات البورصة ومدارس الفقراء.

كان النظام ملكياً يحكم فيه الملك، وثمة نظام برلماني هش، يمكن للملك أن يتلاعب به، كان حزب الوفد، حزب الباشاوات، هو المهيمن في ذلك التوقيت، رغم الصراعات التى دارت داخله.

جاء نظام يوليو ليهدم الملكية، ويؤسس لجمهورية ديمقراطية حديثة.

غير أن نظام يوليو قد اكتفى بإعلان الجمهورية دون الديمقراطية الحديثة، ورسخ عبد الناصر بعدما أقصى محمد نجيب عن المشهد السياسي لحكم الفرد المطلق، ربما لم تشهد مصر قبل عصر ناصر حكماً ديمقراطياً راسخاً، لكننا نحاكم ثورة بما أعلنت من أهداف لها تسعى إلى تحقيقها.

إن الثورة حينما تعلن عن نفسها فإنها ترفع مطالبها أولاً وتدعو الناس للالتفاف حولها لتحقيق المطالب، ومدى نجاح الثورة أو إخفاقها يتوقف، في الحقيقة، على ما تحقق من تلك المطالب.

في البدء كان من العسير محاكمة ثورة يوليو تبعاً لما تحقق من أهدافها، وذلك لما يسمى بالحرب على الثورة المضادة في ذلك التوقيت، لكن الحرب طالت وامتد أمدها حتى شملت من كانوا يوماً في صف يوليو، وزجت بالكثير من الإخوان واليساريين في سجونها ومعتقلاتها.

لن ننحرف كثيراً لنناقش قضية الحريات إبان نظام يوليو، لكن المجدى أن نعود إلى شكل الدولة، أعلنت الجمهورية، وخفتت المطالبة بالديمقراطية، ربما لظروف كثيرة، أهمها أن الرئيس الجديد بحاجة لفرصة لتثبيت أقدام الثورة وهدم النظام القديم.

انطلق الرئيس الجديد بثورية شديدة يحطم النظام القديم، ويؤسس لنظام جديد، بيد أن النظام الجديد في جوهره لم يختلف كثيراً عن النظام السابق له، سوى في بعض الشكليات التى لم يتأثر بها جوهر نظام الحكم.

أسس ناصر نظام حكم جمهوري فردي عسكري، رئيس عسكري يخلع ملابسه العسكرية ويعتلى منصب رئيس الجمهورية ليدير الدولة بذات المنطق الذي يدير به الجيش، الطاعة مقدمة على كل شئ، الولاء أهم من الكفاءة.

قلد ناصر المناصب المدنية لكثير من العسكريين، وانتشروا كالنار في الهشيم، وانتقل بعضهم من الطبقة المتوسطة للطبقة البرجوازية، وبهذا قامت ثورة يوليو باستبدال برجوازية الملك ببرجوازية العسكريين، وحصل اختلاط وتداخل بين البرجوازية القديمة والبرجوازية الجديدة عبر شبكة من التصاهر بين الطرفين.

ثم انشغل الرئيس الفرد بقضية التحرر الوطني ودعمها في مصر وخارجها، وهذا شئ نفخر به، وإنما ليس على حساب الحريات داخل الوطن. انقلب نظام يوليو ضد الجميع وصار كل صوت  يختلف مع الرئيس معادي للثورة، ويناهض قضية التحرر وعميل لللاستعمار.

كرّس ناصر لتخوين المعارضين، وأضحى الزج بهم في السجون عادة يمارسها نظامه بكل أريحية، دون التفات لأن القضية الأم هى تحرير الوطن لا تحرير النظام الذي يحكم الوطن.

إن شكل دولة يوليو يبدو هكذا، رئيس عسكري يحكم جمهورية مدنية عبر جهاز أمني قوي، يرفع راية التحرر الوطني وبعض الشعارات الاشتراكية، ثم لا مانع من استخدام الدين عند الحاجة، مع تخوين المعارضين للنظام والرمي بهم في السجون كلما ارتفع لهم صوت.

إن القضية الأساسية في الثورات هى قلب نظام الحكم والإتيان بنظام حكم جديد يخالف النظام القديم، ليس المطلوب أبداً أن يأتى نظاماً جديداً فحسب، بل المهم والأهم أن يكون نظاماً مخالفاً لما سبقه في النهج والمنهج.

لكن نظام يوليو بكل منجزاته كرّس لنظام ملكي من نوع جديد، نظام الأب فيه هو الجيش والأبناء هم الضباط يتوارث بعضهم مصر كلما غاب الآخر.

إن نظام يوليو قد وضع الأساس لدولة مبارك، وامتدت هذه الدولة في خطوط مستقيمة تنحدر للأسفل عبر نظامي السادات ومبارك، وكان من الطبيعي أن تشتعل ثورة جديدة للتخلص من نظام يوليو، والثورة الجديدة بطبيعة الحال تأتى لتقلب النظام القديم وتستبدل نظاماً جديداً بدلاً منه.

لا يمكن بطبيعة الحال أن تكون ثورة يناير امتداداً لثورة يوليو، فيوليو قد جاء بالعسكريين إلى نظام الحكم، وأسس دولة الولاء فيها أهم من الكفاءة، والاستبداد فيها خير من الديمقراطية، فالرئيس هو الأب والراعى للشعب، والشعب قاصر عليه أن يستمع لما يراه الرئيس مادام الرئيس وطنياً مخلصاً ولو كان ذلك على حساب الحريات.

إن الشعب لا يريد نظاماً يطعمه ويشربه، إن الشعب يريد وطناً لا حظيرة، يريد وطناً يعارض فيه الرئيس، وطناً لا يخشى فيه أمن الدولة، وطناً لا يقتل أبناءه بالمدرعات، وطناً لا يسرق قوت الشعب لصالح الجنرالات.

إنني باعتباري أحد أبناء يناير لا يمكن أن أقف إلى جانب نظام يوليو ولا يمكن أن أنكر منجزاته، لكن تلك المنجزات ضاعت عبر النظام الذي كرسته ثورة يوليو. كان طبيعياً أن تصل مصر لما وصلت إليه في عهد مبارك، فإن آلة الاستبداد لا تنتج وطناً حتى ولو كانت بدايتها تبدو مبشرة.

لأن ثورة يوليو جعلت نظام الحكم فردي عسكري، فكان من المنتظر أن تتغير السياسات تبعاً لتغير الرئيس، وبهذا يتحمل نظام يوليو ما أقدم عليه السادات وخلفه مبارك.

نظام الحكم هو الأهم لأنه المنتج لكل ما نراه على الأرض في الواقع، ولأن نظام يوليو نظام فردي عسكري استبدادي فلا يمكن إلا أن أنحاز إلى المعادين له.


Share/Bookmark

الرجل الودود عمر سليمان واللواء السلفي

عمر-سليمانعلّق رون سوسكيند في مجلة التايمز الأمريكية على وفاة رئيس المخابرات المصرية السابق عمر سليمان قائلاً:”إنه رجل خير وودود، إنه يعذب الناس الذين لا يعرفهم فقط”. وفي سياق آخر نشرت جريدة البديل الإلكترونية خبراً عن حزب الأصالة السلفي وابتدأت الخبر “وصف اللواء عادل عفيفي, رئيس حزب الأصالة السلفي, ومساعد وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي” وقد استوقفتني العبارتان كثيراً وتأملتهما لشئ لم أكن أعلمه، تحمل هاتان العبارات دلالة هامة ربما يعسر استجلائها للوهلة الأولى، لكن، مع المزيد من التفكير ربما يلوح لك رابطاً قوياً بين العبارتين.

العبارة الأولى تحمل معنى السخرية من الشخصية الأكثر غموضاً في العقود الماضية، الرجل الذي لم نسمع له صوتاً طوال خدمته في المخابرات، إذ كيف يجتمع معنى الخيّر والود مع التعذيب؟ ويتجلى أكثر دلالة العبارتين في العبارة الثانية حيث تصف رئيس حزب الأصالة “السلفي” بالمساعد الأسبق لوزير الداخلية حبيب العادلي.

وهنا تكمن دلالة ربما لا نلتفت إليها عند القراءة العابرة للخبرين، ذلك أن استعمال معانى أخلاقية\دينية في وصف بعض الشخصيات أو الأفعال مع ظهور أفعال\أوصاف لتلك الشخصيات على النقيض تماماً من الأفعال الأخلاقية\ الدينية يحمل ازدواجية لطالما حارت العقول في فك اللغز حولها.

إن العبارة الأولى بما لها من دلالة ساخرة استخدمها الكاتب،والعبارة الثانية بواقعها المؤلم، تعرى مجتمع “التدين الكاذب”، المجتمع الذي يغرق إلى أذنيه في دركات الاستبداد والاستعباد مطلقاً أوصافاً أخلاقية ومستعملاً مظاهر دينية لترسيخ الاستبداد وتعميق معنى السلطوية عبر تغليف الاستبداد والسلطوية بمسحة دينية.

عمر سليمان ذلك الرجل الذي وصفته مجلة النيوريوك تايمز بأنه رجل المخابرات القوى الذي تعرفه العامة، لكنها لا تعرف عنه الكثير، فالرجل عاش حياته محاطاً بغموضٍ شديد، حتى واقعة اغتياله أيام الثورة لفها الغموض وأحاطت بها الكثير من الشكوك، والرجل نفسه صمت ولم يفصح عن حقيقة العملية، وكأنه كان منتشياً بهالة الغموض التى تظله أينما حلّ.

عمر سليمان اشتهر في الأوساط السياسية برجل العلاقات المصرية-الاسرائيلية، لم يكن أحداً غيره يأمن له مبارك لإدارة أي ملف يخص تلك العلاقات، ربما لما قيل عنه أنه كان يحمل نفس العداء الذي يحمله مبارك للحركة الإسلامية في مصر وفلسطين، وبالارتباط الروحي القائم بين الحركتين.

عمل سليمان على إفشال المفاوضات بين فتح وحماس، وكان الذراع المصرية\الإسرائيلية لإفشال أي مفاوضات حقيقية بين طرفي الصراع في فلسطين، بل كان الرجل أقرب إلى طرف السلطة الفلسطينية المرضي عنها من الجانب الإسرائيلي.

ولطالما حمل الرجل حماساً شديداً لتطويق قطاع غزة، وحصار الحدود مع مصر، لا كما كان يشاع حماية للأمن القومي المصري، فعدد القتلى في ذلك التوقيت من الجنود المصريين على يد الإسرائيليين، دون رد واضح من القاهرة، يقودنا حتماً إلى حالة الانبطاح أمام الكيان الصهيوني.

وفي الشأن الفلسطيني أيضاً، عُرف عن الرجل أنه كان يشرف بنفسه على عمليات تعذيب الفلسطنيين المعتقلين في مصر، كما أنه عمل في برنامج تعذيب المطلوبين للولايات المتحدة الأمريكية، وقد أسلفنا نشر تعليق نيويورك تايمز على التعذيب بالوكالة الذي كان يديره سليمان عبر المخابرات المصرية.

ويبدو في موقف سليمان من طلب الولايات المتحدة عينة من محمد الظواهري شقيق أيمن الظواهري القيادي بالقاعدة مدى “كفاءة” الرجل في أداء عمله، حيث عرض على الولايات المتحدة إرسال “ذراع” محمد الظواهري كاملة لأخذ العينة اللازمة من الـ  (DNA).

كان عمر سليمان رجلاً “مخلصاً” و “جاداً” في عمله، لم يكن يكترث بأي شئ سوى أداء عمله على أكمل وجه، ولو كان العمل يقتضى تعذيب الآلاف وسحق المعارضين وبث الفرقة بين الفلسطنيين لبث الطمأنينة داخل أصدقاءه في الكيان الصهيوني.

ربما يستغرب استخدامي لكلمات مثل “مخلص” و”جاد” في وصف الرجل، لكن تلك الازدواجية هى التى نغرق فيها منذ وفاة الرجل، فالبعض يدعونا للترحم عليها والدعاء له بالرقود في سلام، لأن هذا موقف إنساني بغض النظر عما اقترفته يد الرجل من جرائم كان يجب أن يحاسب عليها، لا أن يخرج بكل وقاحة معلناً ترشحه لرئاسة الجمهورية.

إن الحماس الذي قوبل به ترشح سليمان من قبل الكثير من الدوائر الاجتماعية يشى بشئ مما أتعرض له الآن، ازدواجية المجتمع إزاء مجرم، غلف البعض جرائمه بإطار أخلاقي من نوعية أنه كان مخلصاً وجاداْ وكان عقله دائماً مشغولاً بحماية الامن القومي المصري، متجاهلاً أنه كان يحمى الامن القومي من المصريين ويحمى الحدود من الفلسطنيين، بينما يدير ظهره للدبابة الإسرائيلية غاضاً طرفه عما ترتكبه من جرائم على الحدود.

وعلى الطرف الأخر يقف المساعد الأسبق لوزير الداخلية المدان بقتل المتظاهرين ملوحاً بسيف الدين، وكأنه الحامى للدين بعد مئات السنين، ومع أن سيادة اللواء كان يقف إلى جوار القاتل حبيب العادلي إلا أن سيادة اللواء بعدما أطلق لحيته، ووضع نفسه في إطار التدين تناسى كل ما اقترفه الوزير وهو إلى جواره وخرج شاهراً سيف حماية الدين.

إن سيادة اللواء الذي ظل صامتاً طوال فترة خدمته مع الوزير القاتل خرج ليؤسس حزباً دينياً يكرس الفكر السلفي الذي كان الكثير من أعضاءه في سجون حبيب العادلي، بينما سيادة اللواء يجلس في مكتبه يلقى بالتحية العسكرية للوزير القاتل، ورغم ذلك لم تثر أي نوازع دينية في سيادة اللواء.

التدين الكاذب وحده يقف وراء صمت اللواء السلفي عن جرائم العادلي، فبعض الصلاة ولحية بعد المعاش ربما تمحو تاريخ طويل من تكريس الاستبداد عبر ألة أمنية كان اللواء السلفي أحد تروسها التى تعمل بكفاءة لمنع الناس من تنفس الحرية أو التطلع إلى العدل.

إن الدعاء بالرحمة لسليمان، أو الصلاة عليه، يبقى موقفاً شخصياً، لكنه يحمل دلالة هامة في حالة الازدواجية التى يعانى منها الكثيرون في المجتمع، حيث أن مقاصد الدين تغيب وراء مظاهر فارغة، وتبقى اللحية والجلباب أهم من العدل والحرية.

إننا بصدد ظاهرة يجب التوقف عندها كثيراً، والتأمل في مظاهرها في المجتمع المصري، قبل أن ترسخ آلة الاستبداد الديني مظاهر التدين الكاذب لتصبح صلاة الرئيس أهم من عدله.


Share/Bookmark