الاثنين، 20 فبراير، 2012

سأكتب لكم

abstract_0005 نعم لقد قررت أن أكتب، الأن سأكتب، ربما فى اللحظة التى لا يتنزل فيها وحي الكتابة سأكتب، ودون حاجة لأن أكتب، ودون فكرة سأكتب.

سأكتب، لا ليقرأني أولئك الحمقى، ولكن لأبوح للحمقى بأشياء ربما يود بعضهم معرفتها، وربما لا تهم بعضهم، لكنها صرخات تنطلق بداخلي، تريد الانعتاق عبر سطوري، عبر كلماتي الأسيرة.

سأكتب قصة الفلاح، ذلك الفلاح البسيط الذى يروح إلى أرضه كل يوم بعدما يصلى الفجر ويتناول لقيمات مع زوجته وأولاده ويتبادلون الابتسامات والكلمات الخفيفة، وفجأة تنقلب حياته ويسرق العمدة أرضه ويجلده فى وسط البلدة، نعم سأكتب عن ذلك الفلاح لتعرفوا معنى ظلم السلطة للفقير البائس.

لا، لن أكتب تلك القصة الباردة، كتبها كثيرون، ولن يحس أحدكم بالظلم فى رمزية تلك القصة.

سأكتب عن الفتاة الجميلة ذات العينين النجلاويين، والشعر الأسود المتهدل على كتفيها، سأحكى لكم عن حبها للفتى الأسمر، ونظراتهم المفعمة بالشوق، وعن قبلتهم الأولى، وعن حلم البيت الفردوسي، وعن ذلك الرجل الغنى ذي الكرش المتهدل الذى تزوجها واغتصبها من حبيبها، عندئذ ستعرفون معنى القهر.

لا، تلك قصة باتت باردة لن يشعر أحدكم فيها بمعنى القهر.

وجدتها، الأن سأكتب لكم عن الطالب المسيحي فى المدرسة الثانوية، يتقلب كل يوم فى جحيم الاستعارات الطائفية، والمزحات الإباحية عن علاقة أمه بقسيس، نعم سأحكى لكم كيف يتحرق كل يوم لوطن يحترم آدميته، ويعامله كإنسان، لكن القدر يلقى به فى بلد لاتقدر مامعنى الإنسان.

لا، هذه قصة تعرفونها كلكم، ولن تشعروا فيها بالمعنى الكامن خلف سحق إنسانية مواطن بسبب دينه.

سأكتب لكم عن العامل فى مصنعه، وعن الوجبة العفنة التى يقدمونها له فى وجبة الغداء، وعن أولاده الأربعة، وعن زواج بنته الكبرى، وعن معاناته مع التعليم الجامعي لأولاده، ستشعرون حتماً بمعاناة العامل، وستذرفون الدموع، وستبكى تلك الفتاة ذات الشعر الأسود الفاحم حين تقرأ كلماتي على الـ (ipad) حتماً ستبكى، هى إنسانة تشعر بمعاناة العامل الفقير البائس.

لا، لن يشعر صديقى الذى يرى العمال كل يوم بتلك المعاناة، فالعادة تقتل الإحساس.

سأكتب لكم عن الكاتب الموهوب، صديقى المثقف، يهوى الكتابة، مغرم بالقراءة، يحب نجيب محفوظ وطه حسين والعقاد ومحمود درويش وأمل دنقل، يكتب كثيراً ويقرأ أكثر، سيصبح يوماً كاتباً كبيراً، لا لن يصبح كاتبأ ولا كبيراً، بل سيصبح موظفاً حكومياً، يؤمر فيطيع، سينسى كل الـ (لا) التى قرأها فى شعر دنقل، وكل الفلسفة التى تعلمها من نجيب، سينسى كل شئ لينفق على أسرته.

لا، لن أكتب تلك أيضاً، لن تبكى صاحبة الشعر الأسود الفاحم، ولن يتأثر صديقي الذى اعتاد مشاهدة الموظف، ولن أبكى أنا أيضاً، فكلنا قتلت أحلامنا.

إذن ماذا أكتب ؟

كل شئ قد كُتب ولم يتغير العالم، ولم يسد العدل، ولم يتحرر البشر، لاحاجة للكتابة فكلنا نهذى فى عالم لا يقرأ، المهم أني كتبت شيئاً قد يقرأه أحد الحمقى فيعجبه، أولا يعجبه، فلا يهمنى رأي الحمقى.


Share/Bookmark