الجمعة، 30 مارس، 2012

العاشق المصلوب!

 

tumblr_ll9ajyTubl1qiadk4o1_r2_500 قال الطبيب: لاشئ في قلبك سوى الكون.

قلت: أوكلما التقى عاشقان يوجعني قلبي.

قال: بل كلما افترق عاشقان اهتز قلبك.

على درب الحب بين امرأتين أسيرُ مضطرباً، محمل بثقل هواجس اللقا والافتراق. بين نقطة وداع ليست بعيدة ولحظة قربُ ليست قريبة، أركض داخلي لأحس هشاشتي، أستشعر ضعفي نحو إمرأة فارقتها وامرأة أتقرب إليها.

سأركض وحيداً بعيداً عني لأرغم القدر على أن يسير معي على حافة الحب، وأظل أصارع القدر بكل شظايا قلبي لأملك طريق الصعود إلى قلب امرأة ربما لا أعجبها.

بينهما تشابه كبير إلى حد لا معقول، لكل واحدة غمازتين يرقد عليهما ملاك يحسب ضحاياهما، كنت ضحية إحداهما، واليوم أشرد خلف واحدة أخرى، أهو تعلق بالغمازتين أم رغبة فى الانتحار على شفتي امرأة؟

مفتون قلبي بابتسامة المرأة خاصة تلك التى تملك غمازتين ينزوى الكون خجلاً منهما، أفتش فى وجوه النساء المبتسمة لعلي أجد بينهما ابتسامة مَنْ فارقتها، فتشردني ابتسامة مَنْ أتودد إليها فاتنة تخطف قلبي كلما تبسمت، ترهقني كلما حدقتُ في شمس وجهها.

هل أبحث عن امرأة فى أخرى ؟

قالت وهى طيف القمر فى امرأة:

لا تبحث عن حبيبتك فى امرأة أخرى.

قلتُ: مؤمن أنا بحبيبتي لا أشرك بها أخرى.

قالت: لعلك قاتل نفسك على أثارها.

قلتُ: سأقتل نفسى فى أخرى لأنساها.

قالت: بل ستحب أخرى لتنسى لسعة الحب القديم.

كانت تتنبأ بشئ ما راقد فى صحائف الغيب، تحس المرأة بالغيب كما الآلهة، ربما لأنهن خلقن من نور سماوي، أو لأن حواء الأم أخرجتها المعرفة وحبها من الفردوس السماوي.

أعود إلى بدء حيرتي، كيف أهرب من طريق حب امرأة لأسلك طريقاً أخر إلى حب أخرى؟ كيف أغزو قلب امرأة لا أعرف ماضيها؟ كيف أثقل قلبي بأثقال حب جديد وهو مازال ينزف حباً قديماً؟

أحاول أن أدرب قلبي على الحب خفية، ألا أوجعه بغمازة امرأة لا تعرف ضحاياها، إلا أنه يصر على المضى قدماً إلى الموت حباً.

أتوق إلى ذراع امرأة أحط عليه رأسى وألقى عليها هواجسي وظنوني، أتوق إلى لمسة من يدها تعيد إلي إيماني، أتوق إلى شفتي امرأة تبعث في ما مات مني، أشتاق إلى عيني امرأة تذبحني لأصرخ فيها: أحبك.

الحلم ليس جناية إلا فى بلاد العرب، فماذا يضير الناس لو مسست يدها، وقبْلت غمازتيها، وقلت: أحبك أكثر وأكثر.

الحب كالموت كلاهما يباغتنا عند حافة السكون، نحب حين تموت أرواحنا لتحيا أرواح مَنْ نحب، ونموت مرة أخرى ليحيا أحباء أخرون عما قليل سيعشقون ريثما تنتهى حبيبتي من جنازتي.

الحب أمرُ جنوني، أن تخرج من ذاتك إلى ذات أخرى لتسيرا معاً وحيدين فى صخب الكون، أن تؤمن بامرأة واحدة لاتشرك بها شيئاً، أن تغفر لها ولا تغفر لك، أن تحبها وتحب كلماتك، وربما لا تحب كلماتك، بل تحب أن تنسى فيك رجلاً أخر.

لا أريد أن أنزل من صليب امراة، لأعلق على صليب أخرى، فلست مسيح الحب، ولست مبشراً قلبي بموت جديد، خفيفاً سأمشى إلى مثواي بلا تدابير مرهقة للملائكة.


Share/Bookmark

الأربعاء، 14 مارس، 2012

حلمُ خفيف مع درويش!

darwish قال الطبيب: عليك أن تكف عن التدخين، وسماع درويش.

قلتُ: لِمَ ؟

قال: كلاهما يوجع القلب.

ودعتُ صديقي درويش بعدما رسم جدارية على سرير الغريبة، ربما أحبك أو لا أحبك، هكذا قال لي، عما قليل سأحس أثر الفراشة بعدما أرى ما أريد، أرى حبيبتى تنهض من نومها، كمديح الظل العالي، فتلك صورتها وهذا انتحار العاشق.

عاشق من فلسطين، كان درويش، أو ربما كانت فلسطين هى عاشقته، ريثما يمر أحد عشر كوكباً مروراً خفيفاً كزهر اللوز أو أبعد، فيترك فينا ورد أقل، فنضرب حصاراً ثقيلاً لمدائح البحر.

لماذا تركت الحصان وحيداً يا أبي؟

دلني أبي على قبري، وقال: ياولدي، لاتعتذر عما فعلت.

درويش ليس شاعراً عابراً، ليس ركام من الأبجديات السخيفة، درويش معنى وروح وجسد يحمل معنى الهوية.

درويش سطور حياة تنام على صدر الموت، قافية حداثية على سور عكا، تلة ترقد دافئة على خصر القدس.

ليس شاعراً مَنْ يغرد مع الموت كما يرقص مع الحياة، ربما هو إله سماوي طريد، أقنوم جديد لإله الكلمات اليوناني القديم.

أسيرُ ببطء مع درويش حول حياتنا لنراها ناقصة فينا، وكاملة فى الأخرى، قال: هل أنا وأنت واحد ياصديقي؟

قلتُ: يامحمود نحن أقل من اثنين فى أرض الوطن.

قال: دعك من الكلمات والقافية، واكتب الحقيقة.

قلتُ: وهل ثمة حقيقة ياصاحبي؟ إننا مغرمون بها، نركض ورائها، نمد إليها أذرعنا، ولكنها ملتبسة ليست كالحقيقة.

قال: حدثني عنا، هل أنا وأنت واحد؟

قلتُ: لسنا باثنين حتى ننال اعتراف سلطة الاحتلال، ولسنا بواحد حتى تمنحنا الآلهة حق الحب.

انسابت ضحكة دافئة من بين شفتي درويش، وقال: لاشئ يوجعنى، ولكنى تعبت من السفر.

قلتُ: خدعونا ياصديقي وقالوا فى السفر سبع فوائد، وكتموا عنا حقيقة أن فى الوطن سبع وسائد محشوة بالحنين الخفيف.

خالج الحزنُ محمود لوهلة، ودون أن ينبس، سمعتُ صدى كلماته: على هذه الأرض مايستحق الحياة.

تبسمتْ من خجله من كلماته، وقلتْ: ونحن سنحبها إذا ما استطعنا إليها سبيلاً، ولكن أتحلو الحياة والكلمات غير راضية عنا؟ أتحلو الحياة وحبيبتى تنهض من نومها تحدّق فى مرآة رجل آخر؟ أتحلو الحياة على صدر باريس؟

بابتسامة مشوبة بالوجع تمتم درويش: هل عاش من لم يقطف قبلة من شفتي سور عكا ؟

قلتْ: إذن ياصديقي قد أجبتْ عن سؤالك.

قال: كيف؟

قلتُ: أنا لم أعشْ، فلم أقبل سور عكا، وأنت لم تحيا، فلم تستطع إلى الحياة بعيداً عن سلطة الاحتلال سبيلاً.

قال: وإذن؟

قلتُ: نحن لاشئ ياصديقي حتى يضحك الرب، أو يرحم العدو.


Share/Bookmark

الأحد، 4 مارس، 2012

لم أصافحها، ولم أبكِ

21249118364كان الحنين إلى أشياء غامضة

ينأى ويدنو،

فلا النسيان يقصيني،

ولا التذكر يدنيني

من إمرأة إن مسّها قمرُ

صاحت: أنا القمر.”

                                          (محمود درويش، لماذا تركت الحصان وحيداً)

فى البدء ساد الظلام، وكان الظلام عند سواها، وكان لديها النور.

لمسة يدها، نظرة من عينيها، ضحكة من شفتيها، دمعة تمس خدها دافئة بحزن نائم فى صدرها، حنين إليها يملؤني.

كانت هى النور حين ساد الظلامُ الدنيا، كانت هى اليقين حين امتلئت النفوس بالشك، كانت هى الدفء حين نامت حواء على يد آدم، وكانت الحب حين كانت أجساد النساء.

كالإله الصغير كنتُ، أتخبط فى ظلماتي وحيداً، متفرداً بكبرياءِ وغرور، أعبد ذاتي، وأعشق أجساد النساء، رسمتهنّ على صورة فينوس، وضاجعتهن فى حضرة أفروديت، وصليت لها، وأطرقت خجلاً حين بكتْ وقالت: لم يفعل مثلما فعلتْ.

هناك على ناصية الأبدية جلسا سوياً، كان ذلك اللقاء الأخير بينهما، جاءت أو ربما غادرت لتعيد إليه بعض ما أرادت ألا تحتفظ به من أشياءه وذكرياته.

كانت صامتة، باردة كنجمة شردت عن سمائها، يدها لم ترتجف مثلما اعتاد عند مصافحتها، سرت برودة في يدها ليست كتلك التى اعتادها، وكأن شيئاً ما قد سلبها روحها فبقيت جثة باردة.

حاول أن يكسر برودة اللقاء بكلمات حارة، بيد أنه أحس ببرودة تسرى فى حلقه، حالت بينه وبين كلماته، أصابه جفاف عاطفي أمسك لسانه عن الكلام، وهى غارقة فى الصمت، إلا أنها بادرت وقالت: تلك أشياءك، أتذكر أنها كانت كذلك، أم كانت أقل؟

قال لها: ليتها كانت أقل ليكون الجرح أقل، أو ربما أحببتك أقل ليكون الشوق إليكِ أقل، أو ربما كان العمر أقل لأحترق أقل.

غريبة هى الحياة تدهشك بحبٍ مفاجئ، وتتخطفك من دنياك إلى دنياها. إلى دنيا إمرأة لا تعود بعدها إلى دنياك إلا وحيداً حزيناً مقهوراً، مغلوباً لم تنتصر.

ولا تقف الحياة عند هذا الحد، بل تستحيل جحيماً بارداً حين تفقد قلبك وروحك فى جسد حبيبتك، وتذهب بعيداً إلى صحراءها تتعذب وتشقى بقلبك فى جسدها.

لماذا تشقى حبيبتى؟

هل الحب شقاء؟ .. قلتُ لشيخي

قال: ياولدي الحب أوله فرح، وأوسطه طرب، وأخره جحيم يستعر.

قالت بكلمات متهالكة: كيف حالك؟

قال: هل أنتِ محقة فى سؤالك؟ هل تسألين عن حالي وقلبي يرقد بين جوانحك؟ لو تحسستي قلبكِ عرفتي حالي.

تبسمت ابتسامة باردة وقالت: ليس بيدي.

قال: يشق علي أن أراكِ تتصنعين الصمت وقلبك ينبض بي، أتعذب بكِ، أتوق إليكِ، هل نسيتِ لمسة يدي، ضحكتي، كلماتي لكِ حين ينام القمر على خد الليل.

لم تبكِ، كانت صلبة وعنيدة، وكان يعرف أن النار تتأجج بداخلها، لكنه صمتْ لأنها يحبها.

كنتُ أعرف أنها عنيدة وأعرف أنها ضعيفة كموج البحر، تقذفك بقوة بعيداً ثم تنتهى زبداً على شاطئك.

الصمت فى الحب فضيلة، لكنه فى الفراق نار تحرق العاشق، كانت صامتة، ربما كانت راغبة فى رؤيتي أحترق، لا، إنها جميلة وطيبة وقلبها ينام فى صدري، أحس بحنينها إليّ، أحس بشفتيها الدافئة، لماذا افترقنا؟

هل هناك أقسى من افتراق جسدين، وروح تغادر جسد حبيبها، هل كان ضروري أنا أحبها؟

قال شيخي: ياولدي لو لم تحب لم تحيا.

قلتُ : الحب عذاب

قال: تعذب حتى تفنى فى حبيبك فتتحد روحكما وتصيرا واحداً غريبأ عن نفسه.

قالت وعيناها تلمع حباً: سأرحل هل تود شيئاً؟

نظرتُ إليها وتعذبتْ وصمتْ.

لم أصافحها، ولم أبكِ.


Share/Bookmark