الاثنين، 1 نوفمبر 2010

حكاية وطن (2)

(2)

في طريقه إلى منزله، راح عصمت يدندن بعض الأغنيات التى يحبها، حتى أدرك منزلهم، والذى يقع بعد البيت المهجور بخمسة مبانى، صعد السلم إلى أن استقبلته الشقة الجديدة فاتحة ذراعيها للوافد الجديد المنهك من أول أيام الدراسة، كانت بسمته لاتفارق وجهه، وربما كان ذلك سببا في أن كل شئ حوله يبتسم له، حتى بدا أن الشقة الجديدة تتبسم له، طرق الباب، فجاءه صوت من داخل الشقة يملؤه التعب والإنهاك: مين؟ ..
- أنا ياماما
فتح الباب، وبان وراءه امرأة في العقد الخامس من العمر، بيضاء، متوسطة الطول، جسدها ممتلئ، حاسرة عن ذراعيها، ممسكة في يدها اليمنى معلقة كبيرة، فيما بدا أنها كانت تعد الطعام، للصغير القادم من مدرسته، ولأخته التى عادت من مدرستها منذ نصف ساعة، وللوالد الذى مايزال في عمله منذ الصباح.
- فين رضوى؟
- جوه بتذاكر ياحبيبى
- شوية والأكل يبقى جاهز
- مش مهم أنا مش جعان أوى، أنا هدخل أقعد مع رضوى شوية لحد مابابا يجى
- طيب ياروح قلبى
دق باب غرفة أخته الصغيرة، فأذنت له بالدخول، فمرق من الباب بسرعة، وقفز على السرير بحركة بهلوانية وجلس مقرفصا، فضحكت رضوى حتى بدت نواجزها، وراحت تقهقه، وبصوت ينوء بالضحكات: أمك لو شافتك بتعمل كده هتعقلك
- سيبك، ولايهمنى
- ياعصمت إنت مش ناوى تعقل، وتبطل الهبل ده
- سيبك من الكلام ده، احكيلى عملتى إيه في المدرسة
بصوتها الجميل، وعينيها النجلاويين، وشفتيه الورديتين، مضت رضوى تحكى له عن مدرسة البنات، وعن البنات اللائى رأيتهن في المدرسة، وعن المدرسات، وظل هو مستمتعا بحديث أخته التى يحبها حتى جاء صوت أمهما من الخارج: يلا ياولاد بابا جه
خرجا من غرفة رضوى سويا، وعصمت يداعب أخته، فتارة يجذبها من شعرها، وتارة يدفعها بحنو كى ترتطم بالحائط، ولكنه حريصا على ألا يوجعها، كان والدهما يجلس على الكنبة، وأمهم الست دولت تخلع حذاءه من قدميه، وهو يتنهد، ينفث غبار التعب من صدره.. بابا .. بابا .. هكذا جاء صوتهما، وهما يتدافعان نحو أبيهما، كالعادة قفز عصمت على والده، وجلس في حضنه، وأخرج لسانه لرضوى، وقال لها: سبقتك

وقفت رضوى متبرمة، وقالت: بابا الواد ده بيضربنى
ندت عن الأستاذ عبد المجيد ابتسامة أشرقت على وجه الأم التى تبسمت بدورها، وقالت له: ربنا يخليك ليهم ياأخويا
شاركت رضوى أمها في إعداد السفرة، بينما الأستاذ عبد الحميد ذهب ليتوضأ ويصلى العصر، وقف الأب يصلى وعصمت بجواره، انتهيا من الصلاة، ومضيا نحو السفرة، ونادى الأستاذ عبد المجيد على أم عصمت: يلا ياحجة عايزين ناكل
جاءته مسرعة وفي يديها طبق السلطة: معلش ياأخويا كنت بعمل السلطة.
تحلقوا جميعا حول السفرة، وجلسوا يأكلون ويتسامر الأب والأم، بينما الأبناء يستمعان بأذنيهما، ويدفع كل منهما رجل الأخر تحت الترابيزة، حتى ينتبه الأب لهما: عيب ياعصمت إنت ورضوى إحنا بناكل.
- حاضر يابابا
جاء صوتهما معا كأنغام عود عربى أصيل، وتضحك الام، بينما يكظم الأب ضحكته، ويظهر القليل من التجهم كى يخافا فيرتدعا عن اللعب أثناء الطعام.
سأل الأب عصمت عن الدراسة، وراح يذكره بأن الثانوية العامة ليست لعبا كالإعدادية، وأنه يتعين عليه أخذ الأمور على محمل الجد، وترك اللهو واللعب، حتى الإجازة الدراسية.

وقالت الأم بصوتها الحنون: شد على رضوى شوية ياأخويا، دى في إعدادية ومابتفتحش كتاب، يابتتفرج على التلفزيون، يابتناكف في عصمت أخوها.

تولى الأب غضبا، بدا ظاهرا على قسمات وجهه، وقال لرضوى بصوت ساخط: دى شهادة يارضوى، والتهريج واللعب له وقته، وكمان بتعطلى أخوكى عن مذاكرته، الموضوع ده لو اتكرر هيكون ليكى حساب تانى.

نظرت إلى الأم نظرة المرتعد، فحركت أمها عينيها في محجريهما مشيرة إلى الأب، ولسان حالها يقول: ده أبوكى وخايف على مصلحتك.

بعدما انتهوا من تناول الطعام، قام الأب وأخذ سبيله نحو غرفته، ومضت الأم إلى المطبخ، تصنع الشاى للأب، بينما عصمت ورضوى كل منها راح لغرفته ليخلدا إلى النوم قليلا لكى يتمكنا من استذكار دروسهما ليلا.


Share/Bookmark

3 التعليقات:

hala يقول...

في الحقيقه يا اخ محمدالجزء الاول من القصه مشوق اكثر
لكن احداث الجزء الثاني عاديه فيا رتابه وبعض الملل هذه الاحداث نراها بشكل دائم في كل السلسلات دون استثناء وبنفس الحوار
ارجو ان تكون الاحداث القادمه فيها فكر قصصي جديد فيه تشويق للقراءه

جمهورية فوضى يقول...

فعلا الجزء الأول كان شيق أكتر بس أنا استمتعت بالجزء ده كمان
بس لو ممكن تبقى الأجزاء أكبر شوية

محمد أبو العزم يقول...

الجزء ده تعريف بأسرة عصمت مش أكتر عشان تعرفوا البيئة اللى عايش فيها
الجزء الجاى هيكون أكبر وفي تفاصيل مهمة

إرسال تعليق