الأحد، 31 أكتوبر، 2010

حكاية وطن (1)

(1)

كان جون آنذاك في الصف الأول الثانوى حين جاء الوافد الجديد على مدرستهم النائية الواقعة على أطراف القرية. فتى متوسط الطول، مدبب الأنف، ذو شفتين صغيرتين، أبيض البشرة، نضر الوجه، يدوام على التبسم منذ حضر إلى المدرسة حتى ولج مع الأستاذ عبد الحميد إلى الفصل.


وقف الأستاذ عبد الحميد مدرس اللغة العربية أمام التلاميذ، وقد انتصبوا جميعا قياما له، كما جرت العادة تبجيلا للمعلم، قال الأستاذ عبد الحميد بصوته الأجش: هذا زميلكم عصمت، أتانا من شبين الكوم، وسوف يلازمكم في الدراسة، أرجو أن تحسنوا معاملته.


وقع الاسم في الطلاب موقعا غريبا، فهم منذ سني بعيدة، لم يدرك أسماعهم مثل هذا الاسم، سرت دهشة بين الطلاب ممزوجة بالاستغراب، ودبت حركة بينهم، على إثرها فتحت مناقشات ثنائية بين كل شريكين في مقعد، إلا واحدا جلس وحيدا في المقعد الأخير على يسار الفصل، صامتا لاينبس بكلمة، مضى عصمت نحو المقعد الأخير، ذى الشريك المفقود، وقال للطالب الهادئ: هل تسمح لى بالجلوس إلى جوارك؟
وبصوت يكاد يُسمع قال له: تفضل، أهلا وسهلا بك.
- اسمى عصمت
- نعم سمعت الأستاذ عبد الحميد يردد اسمك، على كل حال مرحبا بك ياعصمت
- شكرا يا؟
- جون، اسمى جون
- مرحبا بك ياجون، وأرجو ألا تكون تضايقت لأنى سأقاسمك مقعدك
- المقعد لمن أراد، وهو ليس لى على كل حال


أحس عصمت أن جون غير راغب في الحديث، ولم يكن ذلك بطبيعة الحال هو الواقع، والحق أن جون ذو البشرة السمراء والجسد الرشيق رغم صغره، كان لايحسن الحديث، وكان لايتكلم مع أحد، حتى أنه أبى الجلوس بجوار الفتى الثرثار مدحت، وفضل الجلوس وحيدا في المقعد الأخير في يسار الفصل.


مر اليوم الأول من الدراسة بطيئا ثقيلا على نفوس الطلاب، فبعد ست من الحصص الممتدة على طول اليوم، وفسحة لاتتجاوز العشر دقائق، انتهى اليوم الدراسى بعد أن دوّن كل طالب ماطلبه المدرسون من كراسات وأقلام وواجبات، ومضى كل منهم في طريقه إلى منزله.
وماإن خرجوا جميعا من المدرسة حتى لاحظ عصمت أن جون يسير وحيدا، وكان يبدو مهموما وكأنما ينوء بحمل ثقيل، ذهب عصمت نحوه، وقال وقد ارتسمت البسمة على شفتيه:
- يوم مرهق جدا ياجون
- نعم هو كذلك، لكن الأيام القادمة ستكون أشد إرهاقا
- كيف والعادة تقتل الإرهاق، وتجعل العسير يسيرا باعتياده
- ستبدأ الدروس، والمذاكرة، وسأترك هوايتى المفضلة لأن أبى يمنعنى منها في الدراسة، وكذلك تبدأ السخافات التى يمارسها السفهاء في فصلنا، وماأكثرهم.
- هل يضايقك أحد في الفصل؟
- الكثيرون، بل كلهم، لايتركونى أجلس وحيدا دونما مزاح سخيف لا أحبه ولا أشاركهم فيه، ومع ذلك لايتركونى وشأنى
- لا عليك ياصديقى فمن اليوم سأقف لهم بالمرصاد، أولسنا شريكين في المقعد؟
- نعم
- إذن فالاعتداء عليك اعتداء علي
علت وجه جون ابتسامة صافية، فرح بها عصمت، وقال له:
- أين تسكن؟
- فى أخر البلدة بالقرب من المقابر
- أأنت قريب لسكن الموظفين المغتربين؟
- تقصد المساكن ؟ هى قريبة من بيتنا، يفصل بيننا شارع صغير
- إذن فطريق عودتنا واحد
هز جون رأسه موافقا، وكعادته التزم الصمت طوال الطريق، بينما عصمت منهمكا في النظر إلى شوارع البلدة الجديدة.


سارا الاثنين بحذاء بعضهما هذا صامتُ وهذا يحملق في الطريق، قطعا الشارع الطويل الممتد على الترعة التى تفصل بين الأراضى الزراعية والمدرسة ، ثم دخلا في منعطف صغير قطعا فيه شارعا ثانيا طويل امتد إلى بداية المقابر، كان منزل جون على اليمين من المسجد الكبير الذى عادة مايعج بالمصلين يوم الجمعة على أنه فى الغالب لايتجاوز عدد المصلين فيه الثلاثون فى أفضل الأحوال باستثناء يوم الجمعة، وكان الشارع الأخر والذى يقع على ناصيته مبنى مهيب، يقال أنه لرجل ثرى كان أيام الملك وقد جاءت الثورة فاختفى الرجل وأولاده، ولا أحد يعرف أين ذهبوا بعد ذلك، ومنذ ذلك الحين والبيت الكبير مغلق ولا يقربه أحد؛ هو شارع المساكن كما يسمونه في القرية، والذى يقع فيه بيت عصمت الجديد.


وقف جون عند المسجد الكبير وأشار بيده نحو الشارع الذى يقع على يمين المسجد هذا شارعنا، بيتنا هو ذاك البيت المكون من طابقين هل تراه
نظر عصمت في إتجاه يدى جون، وقال نعم رأيته
فقال جون بصوته الخفيض: تفضل معى ياعصمت
- شكرا ياصديقى، سأعود إلى منزلنا كى لاتقلق والدتى إذا تأخرت كثيرا عن موعد المدرسة
ودع كل منهما الأخر، ومضى عصمت فى طريقه إلى المنزل الجديد.


Share/Bookmark

8 التعليقات:

أنا يقول...

اللغة مُتكلفة جدا و ألفاظ الحوار فوق مستوى سن الطلبة،إلى جانب الأخطاء النحوية و القليل من الأخطاء الإملائية.

جمهورية فوضى يقول...

الأسلوب جميل ومنتظرين البقية

محمد أبو العزم يقول...

أشكرك على الملاحظات
وسأعيد مراجعة النص لتصحيح الأخطاء إن وجدت

غير معرف يقول...

بداية جميلة أين التكملة؟؟

محمد أبو العزم يقول...

غدا سأنشر الجزء الثانى بإذن الله

hala يقول...

القصه بدايتها جميله وبسيطه بتخلي الواحد ينشد لقراءة باقي السطور...قي الحقيقه عنوان القصه شدني اعتقدت انها قصه واقعيه ...بس لما انتهيت من قراءة السطور ...بجد بجد انا بستنى البقيه

hala يقول...

آآه..نسيت اسألك..ليش اخترت اسم عصمت وجون ؟؟؟
انا افهم اسم جون ...بس ليش عصمت هذا الاسم المبهم؟؟؟

محمد أبو العزم يقول...

أردت أن يجذب الاسم انتباه الطلاب، خاصة أن شخصيته ستجذب الجميع، والاسم عنوان المسمى

إرسال تعليق