الجمعة، 11 مارس، 2011

متلازمة حسنى مبارك Mubark Syndrome

0116-mubarak فى حوالى العاشرة والربع صباح يوم الخميس 23 أغسطس 1973 فى مدينة ستوكهولوم فى السويد حاول السجين الهارب جان إيريك أولسون سرقة بنك (Sveriges Kreditbanken of Stockholm) ، وعلى إثر ذلك قام جان باحتجاز أربعة موظفين كرهائن ظلوا رهن الاختطاف لمدة ستة أيام، المدهش أنه حينما حاول رجال الأمن إنقاذهم من أيدى المُختطف قاوموا رجال الأمن، ودافعوا عنه، بل ورفضوا أن يتركوا الخاطف، والأغرب أنهم حينما تحرروا جمعوا التبرعات لتوكيل محامى للدفاع عن أولسون أمام القضاء.

دفعت هذه الحادثة شديدة الغرابة علماء النفس لتحليل مشاعر المخطوفين، وكيف تعاطفوا مع جلاديهم رغم ماتعرضوا له من خطف وترهيب وتهديد طوال ستة أيام متواصلة. بعد دراسة حالات المختطفين وحالات أخرى شبيهة من أسرى الحرب والمغتصبات وغيرهم توصل العلماء إلى توصيف لتلك الحالة الغربية، وهو ماأطلقوا عليه اسم ( متلازمة ستوكهولوم) .

متلازمة ستوكهولم كما وضع العلماء تعريفها هى ظاهرة نفسية تصيب المخطوف أو الشخص الذى تعرض للاعتداء من قبل الجلاد أو الخاطف بحالة من التعاطف مع جلاده أو خاطفه بحيث يبدى اقتناعا بأراء الخاطف والمبادئ الذى من أجلها خطفه واعتدى عليه، رغم تعرضه لأنواع من التعذيب البدنى والنفسى على يد هذا الخاطف.

فسر العلماء تلك الظاهرة بأن أثناء عملية الخطف يصاب المختطف بالرعب الشديد من الخاطفين, فتبدأ لديه حيلة نفسية غير واعية تسمى (Identification with the aggressor)، تجعل المخطوف يتعاطف مع خاطفه ويقترب منه، ويعد أى فعل لين من الخاطف عطاءا سخيا يستلزم محبة للخاطف، رغم أن الخاطف سلبه حريته، وانتهك آدميته، إلا أنه يظن أن الخاطف منّ عليه بتلك المعاملة اللينة أثناء الاختطاف.

ومن ثم يحاول المخطوف إرضاء الخاطف فى المرحلة التالية لمرحلة إعجابه بالخاطف فيتودد له ويحاول إرضاءه حتى ولو كان ذلك على حساب حريته وإنسانيته، ثم ينتقل لمرحلة تالية والتى يرى فيها من يحاول إنقاذه يهدده بخطر كبير، هو خطر كسر حالة الاستقرار الحاصلة بينه وبين الخاطف.

ثم يصل إلى المرحلة الأخطر وهى مرحلة الإنكار(Denial)، الذى تضع المخطوف بين الحيرة لما حدث له والإعجاب بالخاطف، فلا يستطيع أن يكره خاطفه أو يلقى باللوم عليه، بل أول مايلقى اللوم على المنقذين الذين حرروه من يدى الخاطف. وعندئذ يلجأ المخطوف إلى الحيل الدفاعية النفسية (Defense Mechanisms) والتى تمنعه من تقبل أي خيارات أخرى للتعامل مع هذه الأزمة النفسية.

إذا رأينا حجم التعاطف الذى يبديه بعض المصريين نحو حسنى مبارك الرئيس المخلوع، والهجوم الذى يتلقاه الثوار يوميا من أجيال استمرأت الذل ورضيت بالمهانة سبيلا لحياتهم، يمكننا تفسير ذلك وفق تلك المتلازمة التى سميتها متلازمة حسنى مبارك ونظامه.

فالكثير من المصريين تعلقوا بجلادهم وخاطفهم حسنى مبارك، ودخلوا فى حالة من التناغم بينهم وبينه جعلتهم أشد تعلقا بالجلاد من المخطوفين الذين يعذبون ليل نهار، أحس هؤلاء بحالة القوة التى تبدو فى حديث مبارك، فتعلقوا به، وقدموا له فروض الولاء والطاعة، واعتبروا الخروج عليه إهانة لرجل كبير فى السن بخلاف الذين اعتبروا ذلك أمرا محرم شرعا.

واعتبر هؤلاء الفتات الذى يلقيه حسنى مبارك إليهم عبر العلاوات السنوية كرم زائد، وتكرم من الرئيس لاينبغى عليه أن يقدمه للشعب، بل وبرروا المليارات التى نهبها حسنى مبارك بأنه إذا كان مرتب بعض من يعملون فى البترول بالملايين فمن حق الرئيس أن يمتلك المليارات !

ومن ثم انتقلوا إلى المرحلة التالية وهى مرحلة الهجوم على من يحاولون إنقاذهم من جلادهم، فاتهموا المعارضين بالعمالة لأمريكا وإيران وحماس وحزب الله، واعتبروا كل من يهاجم حسنى مبارك إما خائن أو عميل، رغم المعاناة اليومية التى كانوا يتحدثون عنها فى مجالسهم.

حين انكسر القيد، وفتحت أبواب الحرية، وقامت الثورة الشعبية، وقع هؤلاء فى مرحلة الحيرة والإعجاب، حيرتهم لما حدث لهم طوال ثلاثين عاما من القهر والظلم، وإعجابهم بالجلاد وقوته فى حكم هذا الشعب طوال تلك الفترة، فبدأوا فى اللجوء إلى الحيل الدفاعية فألقوا باللوم على الثوار الذين أخرجوهم من السجن المظلم وتركوهم امام شمس الحرية التى تكاد تعمى أعينهم.

وأخيرا يقول العلماء إنه لعلاج تلك الحالات المصابة بالمتلازمة فإنه يجب الدعم والمساندة وإخراج المصاب من عزلته. يجب إعادة صياغة معاني السلوك الأخلاقي ومفاهيم الشر والخير من جديد للمصاب بمتلازمة ( حسنى مبارك) .


Share/Bookmark

6 التعليقات:

سجل .. أنا مصرية يقول...

أعتقد فعلا إن التحليل المنطقى الوحيد لحالة مثل هؤلاء لن يكون إلا تحليل نفسى كما طرحت

لأن أى تحليل سياسى أو منطقى لن تصل من خلاله إلى نتيجة لحل معضلة تعاطف هؤلاء _ وهم فى الغالب من أفقر الناس وأبسطهم _ مع حسنى مبارك

غير معرف يقول...

انا سمعت واحد بيقول ان امن الدوله هو الي كان بيخدع مبارك وهو ما كنش يعرف ولو كان عرف كان ما سمحش بكدة... تحليلك رائع ويمشي مع المثل المصري ... القط ما يحبش الا خناقة ...بس انا عندي طريقت علاج احسن بدل ما نقعد ندعم ونساند .. احنا نخلي البرادعي يخطف الشعب رهينة كام يوم كدة لحد ما تجيلة متلازمة البرادعي .... ميادة

محمد أبو العزم يقول...

احنا زهقنا من المتلازمات ياميادة ممكن يجيلهم متلازمة الحرية والنبى

koko wawa يقول...

تدوينه رائعه للتاريخ

غير معرف يقول...

في اللحظة التي قرات فيها عن متلازمة هليسنكي او استكهولهم قررت انها ما يعاني منها الشعب المصري مع مبارك و اردت ان اكتبها إلا أني وجدتك اسبق مني اليها ، احسنت الرؤية

غير معرف يقول...

نحن كمان بسوريا عندنا متلازمة بشار الأسد و قبلها متلازمة حافظ و لكن الحمد لله بدينا نتعافى من هذه الأمراض وزي ما قلت يا استاذ محمد للأخت ميادة كفاية متلازمات اشخاص وعايزين متلازمة الحرية و الديمقراطية
أخوكم غسان من سوريا
و ربنا يشفي الجميع

إرسال تعليق