الثلاثاء، 9 فبراير، 2010

المهووسون

بقلم / محمد أبو العزم
ذات يوم كنت أحد هؤلاء .. حماسي لاينطفأ وصدري دوماً مأجج بمشاعر الكراهية والغضب ، فأولئك القوم يكرهوننا ويخططون لاستئصال شأفتنا .. نعم لايمكن إنكار أن طموح بعضهم كذلك وأمال تحدو بمتطرفيهم كي يتخلصوا منا ، لكني كلما ازددت كراهية وانتابتني مشاعر كتلك التي تملأ صدور متطرفيهم اصطدمت بنموذج أستاذي الذي درسني في الجامعة .. لم يكن أستاذي مدرساً بالجامعة ولكنه كان مدرساً لمادة الرياضيات التي ندرسها .. كان طيباً مهذباً لاتفارق وجهه الابتسامة ، قسمات وجهه لاتختلف عن أي مصري نعيش بجواره .. لايمكنك أن تصدق أنه مسيحي ، فهو يبدأ درسه بسم الله الرحمن الرحيم ..

ولا يجد غضاضة في أن يمزح معنا ، ويقص علينا كيف أخذ العمل أبنائه من أحضانه بحيث لم يعد يراهم إلا في منتصف الليل ، بعد أن يرهقهم العمل شأنهم شأن كل المصريين .. كنت أظن أنه يعاملني بالحسنة كي يبرهن على سماحة دينه محاولاً اجتذابي نحو دينه ، لكن الرجل لم يحاول الحديث حول الدين يوماً ما ، بالرغم من تدريسه لي مدة فاقت العامين ..

يتصور بعض المهووسين من المتدينين أن كلامي هذا إخلال بمفهوم الولاء والبراء ، أو أنه بالفعل قد تم شرائي ، أو أن أموال المهجر تغدقني الآن بحيث أثني على رجل من دين بعض أتباعه مصابون بذلك الهوس الذي أصاب غيرهم من أرباب الديانات الأخرى .. لكن الحقيقة أني فكرت ملياً كيف يمكننا العيش سوياً في جو ملبد بغيوم الكراهية وبيننا خطابُ ديني متشدد من الطرفين ، فالشيخ المتطرف يقف في مسجده داعياً للكراهية والحقد ، ولا يختلف القسيس كثيراً عن الشيخ في تناوله للرموز الإسلامية بالسب والقذف .

أدى ذلك بالتبعية لظهور جيل يجيش صدره بمشاعر الكراهية ، ولا يفكر إلا في كيفية التخلص من العدو الرابض في بلده ، فهؤلاء يظنون أن المسلمين عرب غزاة ينبغى أن يطردوا من وطنهم ، وبالمقابل المهووس المسلم يرى القبطي مواطناً من الدرجة الرابعة ، وتزداد تلك المشاعر حين يحتمى بعض المنتفعين من أقباط المهجر بالقوى الغربية ، بل ويستجدوا تلك القوى للتدخل في شئون الوطن الداخلية كي يخلصوا الأقباط مما يصفونه بالاضطهاد .

كذلك الولاء السياسي الذين يدين به الأقباط للكنيسة ، فلم يعد ولاء الأقباط للوطن ، بل بات ولاء القبطي المصري لكنيسته ، فالكنيسة حين تبايع الوريث الغير شرعي ينجرف ورائها الأقباط مؤيدين دونما تفكير وتعقل في مصير البلد السياسي إذا ماسقطت في أيدي الوريث ، لكن طالما الولاء صار للكنيسة فالمهم مصالح الكنيسة ولتذهب دولة العرب للجحيم .

أضف إلى ذلك الاستفزازت التي تصدر دوماً من بعض الناشطين المسيحيين مطالبين بإلغاء المادة الثانية من الدستور وحذف بعض الآيات القرآنية من المناهج الدراسية وإفساح المجال أمام الأقباط كي يجلس أحدهم يوماً ما على كرسى الرئاسة في بلد ذات أغلبية مسلمة ، وهو مالم  نسمع به في دولة في العالم أقلية تريد أن تتحكم بمصائر الأغلبية ، فهذه استفزازت ينبغي على العقلاء من المسيحيين دعوة أبناء دينهم للكف عنها ، كي يمكننا التعايش سوياً دونما صراعات طائفية تؤدى إلى مقتلة بين شركاء الوطن الواحد .

كما أؤكد أن الخطاب الديني الوسطي ينبغي أن يعلو صوته داخل المساجد كي نفرغ الصدور من مشاعر الكراهية نحو أبناء الوطن من أصحاب الديانات الأخرى . كما ينبغى أن يعلو صوت العقلاء من المسلمين ليخفت صوت المهووسين الذين علا صوتهم في شتى المحافل دافعين بالوطن إلى هوية الفتنة الطائفية .
m_aboulazm@yahoo.com

Share/Bookmark

0 التعليقات:

إرسال تعليق