السبت، 17 يوليو 2010

لماذا نتأخر ويتقدم غيرنا ؟

لقد تمحص عندي أن أصل الداء هو الاستبداد السياسي، بتلك الكلمات البسيطة اختصر العلامة الكواكبي الأزمة التى تعتصر الأمة العربية بأسرها. كتب الكواكبي كتابه الماتع " طبائع الأستبداد ومصارع الاستعباد " في نهاية القرن الثامن عشر، إلا أن كلمات الكواكبي خلدت رغم موته، وبقيت رغم فنائه ؛ فالقارئ لكلمات الكواكبي يدرك تمام الإدارك أن الرجل قد كابد مشقة البحث حتى ظفر بالأصل الذي نبتت عليه كل الفروع.

فالاستبداد كما يعرفه الكواكبي صفة للحكومة المطلقة العنان، فعلا أو حكما، التى تتصرف في شئون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولاعقاب محققين . أي أن الاستبداد وصف تتصف به الحكومة التى لاتلقى لشعبها بالا، ولاتكترث برأي الشعب، ولا تعتد بمحاسبة الشعب لها، لأنها تستأثر بكل شيء بمفردها، فلا هى تسمح بتداول السلطة، ولا تمنح الشعب أبسط حقوق الإنسان.

ولقد أفرد الكواكبي فصولا بيّن فيها تأثير الاستبداد على العلم، والدين، والأخلاق، والتربية، والمجد، والترقى، والمال . حين قرأت تلك الفصول بتمعن وروية، تيقنت أن الداء الذي جعلنا في ذيل الأمم هو الاستبداد، وأن السبيل الوحيد للترقى والتقدم هو الشورى السياسية كما سماها الكواكبي، أو الديمقراطية كما اصطلح عليها أهل السياسة في أزمنتنا.

وفي حوار دار بيني وبين أحد الأصدقاء، سألني: هل ترى أن السبيل لنهوض الأمة هو التغيير السياسي، أي تغيير النظام القائم بنظام أخر أكثر ديمقراطية، أم أنك ترى أن التغيير الثقافي والاجتماعى سيكون ناجزا وناجعا أكثر من التغيير السياسي.

واستطرد صديقي في كلماته، وقال إذا صلحت القاعدة حتما سيخرج من بين القاعدة من يصلح القمة، وأن التغيير الاجتماعي أسهل من السياسي، ولايصطدم مع النظام، ولن يكون له ضحايا مثل التغيير السياسي، وكذلك التغيير الثقافي يحتاج إلى وقت طويل إلا أنه آمن ولن يدفعك للصدام مع النظام.

كان صديقي يتكلم بينما السطور التى خطها الكواكبي تمر أمام ناظري، وكأن بالكواكبي يخرج من رأسي ليرد على صديقي، ويبين له أن المستبد لايخشى في حياته شيئا قدر خشيته العلم، فالعلم يفتح العقول، وينير البصائر، ويشرح الصدور، ويدفع صاحبه دفعا للبحث والتساؤل.

والدين الذي يستنفر الناس، ويشحذ همهم، ويضئ لهم الطريق، لايمكن بحال من الاحوال أن يسمح المستبد بظهور مجدد ينير عقول العوام، ويبين لهم أن جوهر الدين ليس في العبادات فقط، وإنما في عمارة الأرض، وإرساء العدالة، ونشر الحرية.

ولاشيء يمس هيبة المستبد إلا ظهور الشرفاء في الأمة، فالمستبد يقرب أهل الإفساد منه، ويحنو عليهم، ويجزل لهم في العطاء، لا حبا فيهم، ولكن طمعا في نشرهم الفساد في الأمة برمتها. لأن الشرفاء يشعرونه بخبث طويته، وقبح سريرته، ودناءة نفسه، وحقارة عقله.

ومن ثم لو دقق الباحث النظر، وأمعن المطالع في حقيقة الأمور، لأدرك حينئذ أن الداء الذي يفتك بجسد الأمة، ويفت في عضدها، هو الاستبداد، وأن المجرم الحقيقى في هتك عرض الأمة هو المستبد الذي يسطو على حق الرعية في تسيير شئونهم، ولتنامى إلى عقله بالضرورة أن الحل يكمن في تقرير الشعب لمصيره، وإدارة الشعب لشئون نفسه.


Share/Bookmark

1 التعليقات:

theblackeagle_pharma يقول...

فعلا الحل في بلدنا الاصلاح السياسي دائما ما نقول نصلح الفرد تصلح والجماعة ونروي ايه الله الكريمة في غير موضعها او تفسيرها " ان الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم " صلب التغيير هو التغيير السياسي لانه هو اساس كل شئ بمعني اخر في كل مشكلة لك دائما ابحث عن السياسة

إرسال تعليق