الاثنين، 25 يناير، 2010

حلم البابا

بقلم / محمد أبو العزم
أعتقد أن الرئيس السادات كان عبقرية سياسية تستحق الاحترام والتقدير ، وبالرغم من اختلافي مع الرئيس السادات فيما أقدم عليه من خطوات أعقبت حرب أكتوبر المجيدة ، إلا أنني لازالت متمسكاً بأنه سياسي محنك ، ومفكر بالغ الذكاء . قد يختلف الكثيرون حول الصورة التى أرى السادات في إطارها ، غير أن هناك كثيرون مثلي يتفقون معي فيما أذهب إليه وإن كانوا من خصومه .
في خطاب عزله للبابا شنوده أمام مجلس الشعب أكد الرئيس السادات أن للبابا طموح سياسي ، وأنه - أي البابا - يطمح في إقامة دولة داخل الدولة . وقد تصور البعض في هذا الوقت أن السادات يخاصم الكنيسة متمثلة في البابا شنوده نظراً للمنحى الإسلامي الذي بدأ السادات يتخذه في تلك الآونة ، غير أني أرى أن السادات بخبرته في العمل السياسي ارتأى أن القوة التي يتحدث بها البابا في اجتماعاته في الكاتدرائية والقرارات التي تأتى مصادمة لقرارات الدولة تنذر بطموحٍ سياسي لذلك الرجل الذي يعتلى سُدة الكنيسة المصرية . وذلك مادفع الرئيس السادات إلى عزله عن منصبه ، وتعيين مجلس من خمسة رجال دين ليديروا شئون الكنيسة المصرية ، والذي بدوره دفع بالبابا شنوده للاعتصام بالدير حتى عام 1984 .
كان البابا وقتذاك مندفعاً نوعاً ما ، ومع مايتمتع به من ذكاء وكاريزما جمعت حوله الأقباط إلا أنه كان سريع الغضب إزاء قرارات السادات التي صدرت في تلك الحقبة والتي اختلفت مع الرؤية الكنسية ، وتمثل ذلك في محاولة السادات تطبيق الشريعة الإسلامية ، مما دفع بالكنيسة إلى إصدار قرارات كان أشدها وطأة دعوة الأقباط لصوم إنقطاعي لخمسة أيام ، والذي يؤكد أن البابا كان متسرعاً بما يكفى ليضع نفسه في خصومه مع نظام السادات .. الوضع الذي تغير إبان فترات حكم مبارك ، والذي اتسم فيه البابا بحكمة وذكاء بالغ ، حيث إن البابا بدأ فعلياً في تنفيذ مايطمح إليه من غير صداماً مع الدولة .
فالبابا لاتمر مناسبة دون تأكيده على ولائه للرئيس مبارك ونظامه بل وحتى نجل الرئيس ، في الوقت الذي تنطلق فيه أصوات الأقباط في المهجر منددة بنظام مبارك ، والدعوة لقطع المعونات عن مصر نظراً لما يعانيه الأقباط من اضطهاد من هذا النظام .. ومع تأكيد البابا على ولائه للنظام إلا أنه لايعلن تبرئه من مطالب أقباط المهجر . وهو ذات الموقف الذي اتخذه البابا مع زكريا بطرس ، حيث إن البابا حين يُسأل عن زكريا بطرس لاينكر مايطرحه بطرس على قناته ، بل يؤكد أن هناك مسلمين يشتمون ويسبون أيضاً ! .. وفيما بدا لي أن البابا بات أشد حرصاً من أن يدفع بنفسه في خصومة صريحة مع النظام ، ولكنه يدفع ببعض الأتباع كي ينفذوا مايخطط له فيما يبدو هو بعيداً عن الصورة .
المكاسب التي تحصل عليها البابا في عهد مبارك ، والتي أكد كثير من القيادات الكنسية أن عصر مبارك كان عصراً ذهبياً بالنسبة للكنيسة لما جنته من مكاسب إبان فترة حكمه ، تؤكد على الغباء السياسي الذي تعامل به النظام مع الكنيسة ، والذكاء الشديد للبابا الذي جعل الكنيسة تكسب أكبر قدر دون وقوع صدام مع النظام . وتدفعني للتساؤل حول إذا ماكان طموح البابا الذي تنبأ به السادات قد تحقق بالفعل ، أم أن البابا في طريقه لتحقيق حلمه ؟
m_aboulazm@yahoo.com

Share/Bookmark

0 التعليقات:

إرسال تعليق