الثلاثاء، 13 نوفمبر، 2012

حقيقة زواج الأطفال في الشريعة الإسلامية

Q8Me-5fb8d3ecb7

من العسير جدَّا أن تتعرض لآية في كتاب الله وتستنبط منها حكماً قد يكون صادماً للبعض، وهذا ما وقع مع الآية الرابعة من سورة الطلاق، حينما استنبط منها البعض أو ربما الكثيرون جواز تزويج القاصرات أو بتعبير آخر الأطفال، لقوله تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ)، فدل ذلك على أن مَنْ لم يبلغ الحلم يسمى طفلاً، ولذا سأعمم لفظ زواج الأطفال في ثنايا المقال.

كلامُ في تفسيرِ الآية:

(وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا)

تفسير كتاب الله ليس بالأمر اليسير على أي إنسان، بل هو بحاجة لجمع علوم شتى وإدراك طرائق شتى لاستخراج المعانى من الألفاظ، ولذلك اعتنى أهل العلم بكتاب الله وتدارسوه ووضع له القواعد والعلوم لفهم معانيه.

أول العلوم المنوط بها تفسير القرآن هو علم اللغة ويليه أسباب النزول لأنها تجعلك تدرك السياق التاريخي التى وردت فيه الآية ولهذا فضل كبير في فهم العام والخاص في القرآن.

ولهذا فإنني سأبحث أولاً في السياق التاريخي للآية الرابعة من سورة الطلاق، لأن الظرف التاريخي قد يجلى شيئاً غامضاً يوضح معنى الآية.

أخرج ابن جرير وإسحاق بن راهويه والحاكم وغيرهم عن أُبي بن كعب قال: لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد من النساء قالوا: قد بقي عدد من النساء لم يذكرن الصغار والكبار (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ) فأنزلت: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ). (ص269، لباب النزول في أسباب النزول، السيوطي)

تحمل تلك الرواية دلالة هامة أبنى عليها مقالي في الآية، حيث أن بعض النسوة اشتكين لرسول الله من ورود آية في عدة المرأة الحائض ولم ترد في غيرها، ثم حددوا غير التى تحيض وقالوا الصغيرة والكبيرة الآيسة والحامل.

نفهم من هذا السياق أن الآية جاءت في معرض الجواب عن سؤال نسوة هم على ذاك الحال، أي أن فيهم الآيسة والطفلة والحامل، وعلى هذا فإن الآية جاءت جواباً على واقعاً بالفعل، ولم تجئ لتحدد حالات الزواج المقبولة شرعاً، لا سيما وقد حدد القرآن سن التصرف في المال والنفس بحد النكاح\ البلوغ كما في آية سورة النساء (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)

قد يقول قائل إن سكوت الله في هذا المحل دون ذكر نهى أو زجر أو تقبيح يعنى اقرار الله لهذه الزيجات، وأقول إن الاقرار دلالة ضمنية تتأرجح من عقل إلى عقل، والدلالة الضمنية ليست قطعية الدلالة بل هى مظنة العقول، والعقول تتفاوت في استخراج المضامين من الألفاظ.

ولما كان الأصل في النكاح\الوطء التحريم، قال ابن حجر\فتح البارى: ((الأصل في الأبضاع (الفروج , وهو جمع بضع وهو الفرج , كناية عن النساء والنكاح ) التحريم إلا ما دل عليه الدليل.)) فيلزم توافر دليل قطعي الدلالة على تحليل ما حرم الله. ولا يتم الحِلُ هنا بمجرد السكوت عن بيان الحكم.

فإن قال قائلهم قلت قولاً لم يسبقك به أحداً والقرآن أجاز زواج الأطفال أنقل إليه الآتى: يقول الإمام العلامة شيخُ الشافعية علي بن محمد بن علي الطبري الشهير بإِلْـكِيا الـهَرَّاسي: ولما ثبت أن المراد باليتيمة البالغة, ولم يكن في كتاب الله دلالة على جواز تزويج الصغيرة, لا جرم صار ابن شبرمة إلى أن تزويج الآباء للصغار لا يجوز, وهو مذهب الأصم. (1\314، أحكام القرآن)

فإن قال قائلاً منهم كيف يتصور أن يكون للطفلة عدة وهى لم تتزوج؟

يجيب الإمام العلامة إِلْـكِيا الـهَرَّاسي: النكاح في حق الصغيرة، إن لم يتصور، فالوطأ الموجب للعدة متصور، وليس في القرآن ذكر الطلاق في حق الصغيرة، إنما فيه ذكر العدة، والعدة تجب بالوطء، والوطء متصور في النكاح الفاسد. (1\315، أحكام القرآن)

ومن ثمّ يُتصور أن أصل النكاح فاسد، لكن الله قد وضع قواعد الخروج من هذا النكاح عبر تحديد عدة الطفلة الموطوءة.

ويمكن تقديم تصور آخر عبر التفسير اللغوي أن الكلام في الآية عن المرأة المريضة التى بلغت ولم تحض وهى متزوجة لا سيما وقد ورد لفظ (نِسَائِكُمْ) في بداية الآية (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ) والنساء تطلق عادة على البالغات كما ورد في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ) وليس ثمة خلاف على أن المرأة المكلفة بالحجاب هى المرأة البالغة، فإن البلوغ من شروط التكليف.

ومن ثم فإن لفظة (نِسَائِكُمْ) قد يؤكد معنى الآية في أنها النسوة اللائي لم يحضن لأسباب مرضية وليست الطفلة كما استنبط المفسرون ذلك.

كلامُ في النص الشارح (السنة):

قال رسول الله (لا تنكح اليتيمة حتى تُستأمر) وحقيقة اسم اليتيمة للصغيرة لغة، قال النبي: ( لا يُتم بعد الحُلُم) ولذلك نهى النبى عن إنكاح اليتيمة ومده إلى غاية الاسئتمار، ولا تصير أهلا للاستئمار إلا بعد البلوغ، كما ورد في قوله تعالى: (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) فيتضمن البلوغ كأنه قال: حتى تبلغ وتستأمر.

كلامُ في الإجماع:

نُقل الإجماع على جواز تزويج الطفلة وممن نقل الإجماع: الإمام أحمد , ومحمد بن نصر المروزي ، وابن المنذر , , وابن عبدالبر , والباجي ، وابن العربي , والنووي , وابن حجر وغيرهم.

يقول الشريف د.حاتم العوني: الإجماع منقوضٌ بخلاف قديم , فلا يصح , فقد منع من تزويج الصغيرة عددٌ من أهل العلم , منهم الإمام التابعي الفقيه الجليل عبدالله بن شُبرمة فقيه العراق وقاضي الكوفة (ت144هـ) , وفقيه البصرة التابعي الإمام عثمان بن مسلم البَـتِّي (ت143هـ).

حكى ابن حزم عن ابنُ شبرمة: لا يجوز إنكاح الأب ابنته الصغيرة حتى تبلغ وتأذنَ، ورأي أمر عائشة رضى الله عنها خصوصاً للنبى، كالموهوبة، ونكاح أكثر من أربع. (ص 1600، المحلى لابن حزم)

(النص منقول من عندي ولم يرد على لسان الشيخ إنما أوردته للتدليل على صحة كلام الشيخ).

وقال أيضاً: فليس بإجماعٍ ما وقع فيه مثلُ هذا الاختلافِ القديم , وتَشْذِيذُ أقوالِ أهل العلم المخالفةِ لقول الأكثرين لا يكون بغير ضابط ؛ ولا يكون بمجرد دعوى الإجماع المنقوضة بخلاف من خالف ؛ لأن خلافهم يدل على عدم وقوع الإجماع. انتهى كلامه

وقد رأيت أن جل العلماء الذين حكوا الإجماع قد اعتمدوا على رواية البخاري في سن زواج السيدة عائشة، ولهذا أحيلكم إلى بحث الأستاذ إسلام البحيري بشأن سن زواجها.

السيرة و أمهات الكتب ترد على أحاديث البخارى وتؤكد أن ابنة أبى بكر تزوجت النبى وهى فى الثامنة عشرة من عمرها.

أقوال أهل العلم:

يقول الشيخ ابن عثيمين (من أئمة السلفيين) في الشرح الممتع (12/57-58) : «من دون تسع السنين ليس لها إذن معتبر؛ لأنها ما تعرف عن النكاح شيئًا ، وقد تأذن وهي تدري ، أو لا تأذن ؛ لأنها لا تدري ، فليس لها إذن معتبر ، ولكن هل يجوز لأبيها أن يزوجها في هذه الحال نقول : الأصل عدم الجواز ؛« لقول النبي لا تنكح البكر حتى تستأذن» ، وهذه بكر , فلا نزوجها حتى تبلغ السن الذي تكون فيه أهلاً للاستئذان ، ثم تُستأذن .

وقال ابن عثيمين في شرحه على البخاري , معلقا على الاستدلال بالآية ﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾: الشاهد في هذا الباب قوله تعالى ﴿وَالَّلائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾، يعني : اللائي لم يحضن عدتهن ثلاثة أشهر ، ولا عدة إلا بعد نكاح ، والتي لم تحض على حسب استدلال البخاري (رحمه الله تعالى) هي التي لم تبلغ ، أي: صغيرة. ولكن قد يقال : إن البلوغ ليس علامته الحيض فقط ، فقد تبلغ بخمس عشرة سنة وتُزوَّج ، ولا يأتيها الحيض ، فهذه عدتها ثلاثة أشهر ، فلهذا استدلال البخاري فيه نظر ؛ لأنه ما يظهر لنا أنها تختص بمن لا تحيض ، فإنه يمكن أن تبلغ بتمام خمس عشرة ، بالإنبات ، أو بالإنزال كما هو معروف.

ثم استطرد رحمه الله: فالمسألة عندي أن منعها أحسن ، وإن كان بعض العلماء حكى الإجماعَ على جواز تزويج الرجل ابنته التي هي دون البلوغ ، ولا يعتبر لها إذن ، لأنها ما تعرف مصالحها .

فالذي يظهر لي أنه من الناحية الانضباطية في الوقت الحاضر ، أن يُمنع الأبُ من تزويج ابنته مطلقا ، حتى تبلغ وتُستأذن ، وكم من امرأة زوّجها أبوها بغير رضاها ، فلما عرفت وأتعبها زوجها قالت لأهلها : إما أن تفكوني من هذا الرجل ، وإلا أحرقت نفسي ، وهذا كثير ما يقع ، لأنهم لا يراعون مصلحة البنت ، وإنما يراعون مصلحة أنفسهم فقط ، فمنع هذا عندي في الوقت الحاضر متعين ، ولكل وقت حكمه .

يقول الإمام الطاهر بن عاشور: بلوغ صلاحية الزواج تختلف باختلاف البلاد في الحرارة والبرودة ، وباختلاف أمزجة أهل البلد الواحد في القوة والضعف ، والمزاج الدموي والمزاج الصفراوي ، فلذلك أحاله القرآن على بلوغ أمد النكاح. (التحرير والتنوير)

المصادر:

التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور

الشرح الممتع، شرح البخاري، ابن عثيمين

المحلى، ابن حزم

أحكام القرآن، الكيا الهراسي

أسباب النزول، السيوطي

البخاري وعليه شرحه المسمى فتح البارى، ابن حجر

مقالات متفرقة


Share/Bookmark

الجمعة، 9 نوفمبر، 2012

السلفيون والخوارج.. في البذور والجذور والثمار

2012-634880697784216761-421_main

تلك سطور أكتبها تحت زعم المحاولة لربط النموذج السلفي المعرفي بنماذج معرفية  تاريخية أخرى وردت في ظروف تاريخية شبيهه، ولأن السلفية\الأصولية هى شبيهه إلى حد بعيد عما كان عليه الخوارج من جهة التكفير والغلظة، وعما كان عليه بنو أمية من التوق إلى حكم الناس، فإنني سأعرض بالمقارنة بين النموذجين السابقين والنموذج السلفي\الأصولي الحالي.

في العام الخامس والثلاثين بعد الهجرة كانت دولة الخلافة تغلى تحت بطش حكام بني أمية وظلمهم للعباد، وكان الحاكم آنذاك عثمان بن عفان يبلغ من العمر اثنتين وثمانين عاماً، كان عمر حسنى مبارك أربعة وثمانين عاماً، وقد أسند عثمان المناصب الكبرى في بلاده إلى أقربائه من بنى أمية وترك لهم حبل الدولة على الغارب، وأطلق أيديهم في مال المسلمين ونفوسهم.

وللتدليل على حدة الثورة ضد عثمان سأذكر لكم رواية الواقدي عن الحوار الذي دار بين علي وعثمان حينما نصحه علي في أمر تولية أقربائه من بنى آمية  فرد عليه عثمان قائلاً: والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا عبت عليك إن وصلت رحمًا وسددتَ خَلة أنشدك الله يا علي أتعلم أن عمر ولى المغيرة أو ليس ذلك قال‏:‏ بلى قال‏:‏ فلم تلومني إن وليت ابن عامر في رَحِمه وقرابته قال‏:‏ سأخبرك إن عمر كان كل من ولي فإنما يطأ على صِماخه إن بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى غاية أنت لا تفعل رفقة بأقربائك.

ولهذا السبب اجتمع الثوار من المسلمين يريدون عزل عثمان عن الحكم، وكان على رأسهم ثوار من مصر والكوفة  والبصرة، وكان عدد ثوار مصر يقارب الستمائة وثوار أهل الكوفة وثوار البصرة كلاهما عددهم كعدد أهل مصر، وحدث حوادث كثيرة مختلف في تفاصيلها بين المؤرخين، المهم منها أن الثوار حاصروا بيت عثمان بن عفان، ووثبوا عليه بعدما دام الحصار أربعين يوماً وقتلوه وقتلوا غلامين له. وأخذت السيدة نائلة زوجة عثمان قميصه مخضباً بدمائه وأرسلته إلى معاوية بن أبي سفيان وقالت أنت وليه، يعنى أنت ولى دمه والمخول بأخذ ثأره.

وفي سياق آخر كان الثوار آنذاك يطلق عليهم أهل الفتنة، أو المنحرفون، أو المتمردون حسبما ورد في كتب المناصرين لعثمان بن عفان.  آنذاك كانت الظروف أشبه بظروف مصر إبان الثورة، اضطرابات في البلاد، وحالة استقطاب حادة بين من يطلبون دم عثمان أولاً وبين من يريدون تنصيب خليفة من غير أهل الثورة ويمكنك تسميتهم في هذا الإطار بدعاة الاستقرار!

ولما وصل خبر تولية علي بن أبي طالب إلى معاوية  بن أبي سفيان رفض معاوية مبايعة  علي وتحجج بأن دم عثمان وثأره قبل البيعة، وقال إن الثأر قبل البيعة وإلا فإن علي قد عطل حدود الله ولا تجوز ولايته.

المهم سيًرت الجيوش ووقعت موقعة الجمل وبعدها موقعة صفين ومات ما يربو على سبعين ألفاً من المسلمين في تلك الفتنة بين كبار الصحابة ثم كان ما كان من أمر التحكيم بين علي ومعاوية وسأشرح بالتفصيل قصة التحكيم والذي خرج من رحمها فرقة الخوارج\السلفية.

لما كان من أمر القتال الشديد بين الطرفين نادى فريق من الناس بتحكيم شرع الله بين الطرفين، لأن الحق فيما زعموا يومئذ لم يكن واضحاً، بل كان ملتبساً بين الطرفين، وهذا غلط كبير، لأن الحق كان واضحاً بين بقايا نظام قتل حاكمه وبين حاكم شرعي بايعه الناس آنذاك.

على كل حال وصل هذا المقترح إلى معاوية بن أبي سفيان فأعجبه، وأمر برفع المصاحف على أسنة الرماح، وفي رواية أخرى يقولون أن المقترح برمته كان من عمرو بن العاص داهية العرب، وهذا شبيه بما حدث وقت الاستفتاء من الإخوان والسلفيين حينما رفعوا للقوى السياسية الأخرى المصاحف على أسنة الرماح، فقالوا من قال نعم لتعديل الدستور فقد أصاب الشرع، ومن قال لا فقد نال من الشرع.

حينما رأى علي المصاحف على أسنة الرماح ولما كان من طيبة نفسه، قبل علي بتحكيم الكتاب\القرآن بينه وبين معاوية وقال: (نعم بيننا وبينكم كتاب الله، أنا أولى به منكم).

وتم الاتفاق على التحكيم وبدأ كل فريق يختار من يخرج لهذ المهمة، ولم يكن في جيش معاوية  ثمة اختلاف على من يتولّى أمر التحكيم، فاختاروا عمرو بن العاص رضي الله عنه، والذي كان بمثابة الوزير الأول لمعاوية، أما جيش علي لما عرض عليهم أن يخرج عبد الله بن عباس رفضوا وطالبوا بخروج أبو موسى الأشعري وبالفعل خرج أبو موسى وعمرو  في مكان في صفين ، وارتضيا على أن يتحاكما إلى كتاب الله وأن يرضى كل فريق بالحكم، فأعطاهم القوم العهود والمواثيق على ذلك، فجلسا سويًا، واتفقا على أنهما يجلسان للحكم في رمضان من نفس العام، وكان حينئذ في شهر صفر سنة 37 هـ، وذلك حتى تهدأ نفوس الفريقين ويستطيع كل فريق أن يتقبل الحكم أيًا كان.

وبعد الاتفاق كان الأشعث بين قيس يقرأ الكتاب\الاتفاق على جيش علي فخرج رجل يدعى عروة بن جرير من بني ربيعة من تميم، وقال للأشعث بن قيس رضي الله عنه: أتحكمون في دين الله الرجال؟!

وأخذت هذه الكلمة طائفة من جيش علي، وبدأت تتحدث بها، وكان الكثير ممن ردد هذا الأمر من حفاظ القرآن الكريم، وشديدي الورع والتقوى، وممن يكثرون الصلاة بالليل والنوافل، فأخذوا هذه الكلمة وقالوا: أتحكمون في دين الله الرجال؟ وغضبوا لأمر التحكيم وقالوا: لا حكم إلا لله.

وهنا يتلقى النموذج السلفي\الأصولي مع النموذج الخوارجي، حيث أنه ثمة عامل مشترك بينهم، أنهم كثيري الصلاة، حفاظ لكتاب الله، ويرفعون سيف إن الحكم إلا لله في وجه من يخالفهم.

وصل عدد الخوارج عند وصول جيش علي إلى الكوفة إلى حوالى اثنتي عشر ألفاً وكان من بينهم ثمانية ألالاف  يسمون القراء وكان غالبيتهم من قرية "حروراء" وكانوا شديدي الرفض لقضية التحكيم وكانوا يرونها تفريطاً في شرع الله من جانب علي أمير المؤمنين.

ولما بلغ أمرهم ذروته وضاق صدر علي بهم ذهب إليهم ليحاورهم، والمحاورة غاية في الأهمية لذلك أنقل جزءاً كبيراً منها:

قال علي بن أبي طالب لهم: ماذا تأخذون علينا؟

قالوا: انسلخت من اسم سماك الله به -يقصدون اسم أمير المؤمنين- ثم انطلقت، فحكّمت الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله.

وهنا يلتقى النموذج السلفي مرة أخرى مع نموذج الخوارج في الإعلاء من قيمة النص بغض النظر عن السياق النصوصي والسياق التاريخي الوراد فيه النص، إنه ذات الجمود الذي نعانى منه في اللجنة التأسيسية من سلفيين يرفضون كلمة السيادة للشعب لأنهم يرون أنه لا سيادة إلا الله وهو ذات منطق الخوارج في عبارة لا حكم إلا لله.

فقال علي لا يدخل علي إلا من يحمل\يحفظ القرآن، فدخل عليه ثمانية الألاف، فأمسك بالمصحف وأخذ

يهزه، فقالوا له: ما تفعل؟، فقال: إنى أسأله (يقصد المصحف)، فقالوا له: إنما هو مداد في ورق.

وهنا أوقعهم علي في المناظرة لأنهم اعترفوا أن القرآن لا ينطلق بلسانه إنما كما قال علي: هو كتاب مسطور بين دفتي ينطق به الرجال.

وراح علي يسرد لهم الأمثلة على ماورد في كتاب الله ومن فعل الرسول لكنهم لم يرتدعوا ولم يعودوا عما في رؤوسهم وكان الدافع وراء ذلك نوايا طيبة هى الإعلاء من شأن كتاب الله، وهى نقطة التقاء أخرى بين النموذجين، فأنا لا أشكك في نوايا السلفيين في حبهم للكتاب والإعلاء من قيمته ولكنهم يعلون منه على طريقة الخوارج.

ودخل عبد الله بن عباس طرفاً في المناظرة، وعاد من الخوارج خلق كثير، ربما يقدرون بأربعة الألاف، وبقى بعضهم على عنادهم، واستمر علي في إرسال الرسل لهم لمحاورتهم، لكنهم أبوا إلا تحكيم كتاب الله.

قرب عقد المجلس الذي سوف يتم فيه التحكيم، بدأ هؤلاء يتعرضون لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بما لا يليق، وخرجوا عن دائرة النقاش المهذب، وبدءوا بالسباب، والشتائم، وعلي رضي الله عنه يصبر عليهم، ويردّ عليهم بالتي هي أحسن تجنبًا للفتن، واستمرّ الوضع هكذا يزداد يومًا بعد يوم.

وهنا يشترك السلفيون\الأصوليون مع الخوارج في نقطة أخرى وهى استخدام السباب والشتائم ضد المخالفين رغم ماهم عليهم من الورع والتقوى في أقل شئ من حدود الله إلا أنهم يستحلون عرض المخالف لهم.

حتى قام له رجل منهم، وهو يخطب فقال له: يا علي أشركت الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله

وتنادوا من كل جانب: لا حكم إلا لله

فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هذه كلمة حق أًريد بها باطل.

ثم بدءوا يعرّضون بتكفير علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقابله رجلٌ منهم يومًا وقال له: يا علي لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين.

وهنا نقطة التقاء أخرى، فبعد السب والتخوين والشتائم، ينتقل الخارجي\السلفي إلى دائرة التكفير طالما لم

يرجع المخالف عن فكره، ويحتمى هنا بسيف حكم الله في يده ويقول ما أردت إلا كتاب الله.

إذن يمكننا عبر السرد التاريخي لقصة نشوء الخوارج، وعبر استدعاء النموذج المعرفي لهم من وقت نشوب الثورة ضد عثمان حتى الآن، أنهم أهل تقوى وصلاح شديدو الورع في حدود الله يحفظون كتاب الله ويجدون في الصلاة والصيام والقيام، يريدون حكم الله كما يفهمونه هم لا كم يفهمه غيرهم، ويلجأون مع غيرهم هذا بالحوار أولاً ثم الشتائم ثانية ثم التكفير ثم القتال في الأخير.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ،َ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ”.

المصادر:

المنتظم في تاريخ الملوك والامم، ابن الجوزي

فجر الإسلام، أحمد أمين

العدالة الاجتماعية في الإسلام، سيد قطب.

مجموعة مقالات متفرقة عن العهد الأموي. 


Share/Bookmark

الثلاثاء، 6 نوفمبر، 2012

محاولة لفهم الصراع حول الشريعة

02_11_2012_70464697580_407638

على الأقل في فترة قصيرة جدًا قد تناهت إلى مسامعك كلمة “الشريعة” ربما مرة أو اثنين أو أكثر في اليوم الواحد. صراع في الاستفتاء على تطبيق الشريعة وآليات تأخذك إلى الجنة بينما أخرى تلقى بك في جحيم النار. الفيصل بين الجنة والنار آنذاك كان الالتحاق بركب التيار المنادى بتطبيق الشريعة، بينما  الخسران المبين في اتباع سبيل العلمانيين الذين يرفضون تطبيقها بهذا الشكل.

من هنا أضحت الشريعة فيصلاً يفرق بين أيدولوجتين إحداهما تنادى بتطبيقها والأخرى تحذر منها، ونشب صراع كبير حول “الشريعة” وغزتْ الكلمة كل وسائل الإعلام بكثرة منذ الاستفتاء وحتى الصراع حول الدستور في الجمعية التأسيسية.

وفي محاولة للولوج إلى أصل الصراع ينبغي علينا أن ندرك ماهى الشريعة وماهى حدودها وكيف ينادى بها أناس إلى حد تكفير الآخرين وكيف يرفضها أناس إلى حد تجهيل الآخرين وكلاهما يزعم الانتماء إلى ذات الدين.

ينقسم الدين الإسلامي إلى شطرين أولهما العقيدة وثانيهما الشريعة. وتحت هذين العنوانين عناوين كثيرة وتفاصيل لا حد لها سنعرض لبعضها لاحقا.

العقيدة هى أصل الدين، هى الإيمان الذى وقر في القلب، والإيمان بمعنى التصديق، أي أنك مصدق بالله ورسله وملائكته وكتبه، وهنا اختلافات كثيرة حول مدى التصديق هل يكفى فقط بالقلب أم يجب أن يتابعه العمل على خلاف كبير بين الفرق الإسلامية.

والعقيدة تقسم إلى إلهيات (صفات الله)  ونبوات وسمعيات (غيبيات)، وهذا تقسيم المعتزلة والأشاعرة والماتردية بينما يختلف الأصوليون في هذا التقسيم ويقولون بالنص القائل أن العقيدة إيمان بالله وكتبه ورسله وملائكته والقدر خيره وشره، وكتب الأصوليين مقسمة بحسب هذا الترتيب.

والمفترض أن كل المسلمين يؤمنون بعقيدة واحدة في الله وكتبه ورسله وقدره، لكن نتيجة لظروف تاريخية عدة يغلب عليها الطابع السياسي لا سيما في العهد الأموي، انقسم المسلمون في الاعتقاد إلى فرق إسلامية عديدة وكان لكل منها قول في صفات الله وفي القدر.

والاعتقاد محله القلب، لا إكراه فيه، ولا وصاية لأحد على أحد فيه، غير أن هذه العبارة بتلك البساطة غير متفق عليها أيضاً بين الفرق الإسلامية، ففي سياق التاريخ الإسلامي أجبر المسلمون على اعتناق عقيدة الحاكم ونال المخالفين من التعذيب والقتل الشئ الكثير لمجرد اختلافهم مع الحاكم في الاعتقاد مما أدى إلى اختلاف سياسي هدد كرسي الحاكم، أبرز تلك الحوادث ما كان فيما سمي بفتنة خلق القرآن.

مصادر التلقى في الاعتقاد:

أما من جهة الاستدلال على تلك المباحث فالمعتزلة مثلا يقدمون العقل في الإلهيات والنبوات والسمعيات يقول القاضى عبد الجبار متحدثاً عن طبقات الاستدلال عند المعتزلة (الدلالة أربعة : حجة العقل ، والكتاب ، والسنة ، والإجماع ومعرفة الله لا تنال إلا بالعقل).

بينما يخالفهم أهل الحديث في هذا الترتيب ويقولون بتقديم الكتاب ثم السنة في أمور الاعتقاد ويجوزون الاستدلال بأحاديث الآحاد (بخلاف الحديث المتواتر، حديث يحتمل الشك لقلة رواته في طبقة ما) في العقيدة ويزعمون أنها تفيد العلم على خلاف أهل الرأي الذين يقولون أن أحاديث الآحاد تفيد الظن. بمعنى أن أهل الحديث في أمور الاعتقاد يحتمون بمظلة النصوص ولا مكان للعقل إلا من جهة موافقته للنص أما حين يقع التعارض فإن النقل مقدم على العقل بلا شك.

الشريعة:

الشريعة تنشطر أيضاً إلى قسمين عبادات ومعاملات، والعبادات توقيفية بمعنى أنه لا زيادة فيها ولا نقصان عما ورد في النص القرآني أو النص المفسر له (الحديث) كالصلاة والصيام والزكاة، وثمة صراع حول تلك النقطة بين الصوفية والسلفية في استحداث طقوس يعتبرها السلفيون عبادات ولذا يرفضونها ويبدعون أصحابها بينما يرى الصوفية أنها من قبيل السنة الحسنة كما ورد في النص الشارح (الحديث) على لسان الرسول.

المعاملات ويقصد بها ما ينظم العلاقة بين الناس في شئون حياتهم وتنقسم إلى أحكام الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق وما إلى ذلك، أحكام المعاملات المالية كالبيع والإجارة والرهن وغير ذلك، أحكام غير المسلمين في الدولة الإسلامية، أحكام الجنايات، وغير ذلك مما يندرج تحت مظلة ما يسمى بالقانون المدني العام والخاص بتعبيرات العصر.

مصادر التلقى:

ويقصد هنا بمصادر التلقى المصادر التى عنها يأخذ المسلمون تلك الاحكام، وهنا انقسام كبير بين المسلمين مثلما هم دائما منقسمون مثلما رأيت في ثنايا الشرح المبسط أعلاه، وهذا القسم يختص به علماء أصول الفقه.

اختلف العلماء في مصادر التلقى بالنسبة للأحكام فمنهم من قال القرآن والسنة والإجماع والقياس، ومنهم من زاد وقال الاستحسان وزاد آخر وقال فعل الصحابي ما لم يخالف غيره ومنهم من قال فعل أهل المدينة ويمكن الرجوع إلى منشأ الخلاف وكيف تطور بين أهل الرأي والحديث في بحث الدكتور نصر أبو زيد المسمى (الإمام الشافعي وتأسيس الأيدولوجية الوسطية).

ومن ثم لا يتفق علماء الأصول فيما بينهم على مصادر التلقى فمنهم من يقدم العقل عموما على كل نقل كالمعتزلة ومنهم من يقدم الرأي (العقل) على السنة باعتبارها نصا شارحاً وليست وحيا كالأحناف مثلاً ومنهم من يأخذ الترتيب السالف في أول هذا القسم باعتباره الأصح وهم عموم أهل الحديث.

وكلما تقدمت بك قراءتك ستتعثر في اختلافات كثيرة بين علماء الأصول في مسائل القياس والاستحسان وعمل الصحابة وعمل أهل المدينة وغير ذلك من الأدلة التى جاءت لتوسيع دائرة النص من جهة ولتعطيل العقل من جهة أخرى.

الشريعة والتطبيق:  

إذا نحينا العبادات جانباً باعتبار أنها توقيفية ومحلها القلب شأنها شأن الاعتقاد، وهذا افتراض مثالي فالأصوليون مثلا يرون فرض الصلاة على كل من يعتنق الإسلام ويعاقب إذا ترك الصلاة وتسيّر جماعات تأمر الناس بالمعروف وتنهاهم عن المنكر!

وعلى هذا فإن الشريعة\الاحكام هى محل النزاع بين الطرفين المتشتبكين في مصر، أو بتعبير أدق الصراع هنا ناشبُ بين القانون المدني وما يجوز أن نطلق عليه القانون الديني أو المستمد من نص ديني.

ولكن ثمة مشكلة أخرى يقودنا إليها مصطلح القانون الديني، فعلماء الشريعة متفقون فيما بينهم على عدم جواز تقنين الشريعة، بمعنى ألا تخرج في صورة قوانين كما هو الحال في القانون المدني، وإنما تظل على حالها الذي يزعمون أنها عليه منذ 1400 سنة ويظل القاضى الشرعي هو المنوط به الفصل في المنازعات وليس القاضى المدني، ويلزم للقاضى الشرعي بالضرورة أن يكون فقيها (رجل دين). (!)

لنعد مرة أخرى إلى أصل الخلاف بين الطرفين حول الشريعة، ولنتحدث بتفصيل أكثر حول الأحكام، فالقانون المدني مثلا يأخذ أحكام الأحوال الشخصية كما هى من الشريعة دون زيادة أو نقصان، وفي أحكام البيوع نتيجة لتغير الزمان والمكان اختلفت تلك الاحكام بالضرورة وليس عمداً.

لكن الخلاف الأكبر بين الطرفين حول الحدود (العقوبات) ومعاملة غير المسلمين في الدولة الإسلامية (المواطنة)، ففريق يعلى من شأن الميثاق العالمي لحقوق الإنسان بحيث يصبح حاكماً للدستور وفريقاً يعلى من شأن النصوص الدينية على اختلاف دلالتها لتكون حاكمة للدستور.

وحسما لهذا الخلاف قطعت المحكمة الدستورية بأن الشريعة الإسلامية المقصودة في المادة الثانية هى الأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وهذا ربما يكون نادراً جدا في الشريعة الإسلامية، إذ النصوص قطعية الثبوت تبقى القرآن فقط وبضعة أحاديث نبوية متواترة، ومن جهة الدلالة فإن القرآن فيه محكم ومتشابه، والمحكم نادر أيضاً مقارنة بالمتشابه الذى هو محل نزاع بين الفرق الإسلامية منذ قرون.

وذلك لأن عقول الناس تتفاوت في فهم آيات القرآن وتختلف وتتصارع وتتناقض في فهم الآية الواحدة فكيف نفض ذاك النزاع حول فهم وتفسير الآيات؟ ومن يحكم بصواب رأي او بخطأ آخر؟ هل كما يقول الأصوليون يفض الإمام\ ولى الامر النزاع؟ بمعنى أن تصبح سلطة التشريع في النهاية في يد الحاكم الذي يملك السلطة التنفيذية والقضائية باعتباره ولى الأمر؟

أفهم من هذا أن الغرض من الضجيج الدائر من الإسلامويين هو توسيع دائرة نفوذ الحاكم والتوسع في سلطاته بحيث يسيطر على السلطات الثلاث، والتوسع في دائرة النصوص بحيث نصبح خاضعين في كل أمور الحياة للنصوص التى عفا على تفسيراتها الزمن بحيث لم تعد صالحة لا للزمان ولا للمكان.

كيف نفض الاشتباك؟

تنقسم الشريعة من جهة أخرى إلى وسائل ومقاصد، والمقصد هو الغاية بعنى أن غاية الشريعة تحقيق  العدل مثلا فيكون العدل مقصداً من مقاصد الشريعة، والوسائل التى هى الطرق التى نصّ\أرشد إليها الشارع\الله هى الطريق للوصول إلى تلك المقاصد.

ويظهر من هذا التقسيم أن المقاصد فوق الوسائل لأنها غاية الدين، يقول أهل التنوير إنه مادام المقاصد فوق الوسائل وأن الدين حثنا على الوصول إليها فإن الوصول إليها من أي طريق كان هو صحيح عقلاً وشرعاً.

يقول الإمامُ ابنُ القَيِّم: "إنَّ الشريعةَ مبناها وأساسُها على الحِكَم ومصالِح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلها، ورحمةٌ كلها، ومصالِحُ كلُّها، وحكمةٌ كلها، فكلُّ مسألة خرجتْ عن العدل إلى الجَوْر، وعن الرحمة إلى ضِدِّها، وعن المصلحةِ إلى المفْسَدَةِ، وعن الحِكْمة إلى العَبَث، فلَيْسَتْ من الشريعة، وإن أُدْخِلَتْ فيها بالتأويل”.

ومن ثم فإن تشريع قوانين للعقوبات\الحدود ملائم للزمان، وسن تشريعات تحفظ لغير المسلمين حقوق المواطنة، إذا حافظت على مقاصد الدين التى أهمها العدل (وضعه المعتزلة بعد التوحيد في أصولهم للاعتقاد) فإن هذا لا يخالف الشريعة ويخرجنا من براثن الخلاف إلى ساحة اتفاق أرحب.


Share/Bookmark

الجمعة، 7 سبتمبر، 2012

الداعية والفنانة .. والسب المقدس

0انتابت الكثيرين صدمة بعدما سمعوا كلام د.عبد الله بدر أحد رجال الدين المسلمين والحاصل على درجة الدكتوراة في التفسير من الأزهر الشريف وهو يسب السيدة إلهام شاهين ويتهمها بالزنا ثم يلجأ لتبرير ذلك بأن أبا بكر قد قال لرجل: امصص بظر اللات.

فمن ناحية اعتبر البعض كوّن داعية يسب فنانة ويتهمها بالزنا هو عمل مشين، والبعض الآخر اعتبر نسبة السب إلى أبي بكر جريمة تستوجب العقاب.

والحق أن كلا الطرفين يجهل التاريخ الإسلامي ويجهل أيضاً الفكر السلفي النصوصي، فقصة أبي بكر ثابتة وتتناقلها كتب الحديث وربما تنقل ماهو أكبر من ذلك منسوباً إلى النبي في قصة الصحابي ماعز مثلا.

الأزمة من وجهة نظري ليست في كوّن الشيخ سبّاب يغرق مخالفيه بالشتائم ويستخدم الكلمات القرآنية في وصف مخالفيه كالكلب والحمار، ولكن الأزمة الحقيقية في تجاهل نصوص تحض على حسن الخلق لصالح نصوص تحتمل دلالة أخرى بعيدة كل البعد عن السب.

يقول الله تعالى: (قولوا للناس حسنا) وينهى في آية أخرى عن سب المشركين فيقول: (ولاتسبوا الذين يدعون من دون الله) ويقول لموسى وهارون ناصحاً إياهم (اذهبا إلى فرعون وقولا له قولاً لينا)، وفي الحديث: (ليس المؤمن بالسباب ولا اللعان).

الأزمة هنا تتجلى في تجاهل تلك النصوص وانتقاء نصوص بعينها لتبرير الواقع، إنها السياسة أو الهوى حينما يتلاعبان بالنص، حينما يتداخلان لصالح هوى النفس البشرية، حينما يصبح النص القرآني والحديث خادمين وليسا مخدومين، حينما يصبح النص خادماً لأيدولوجية أو لهوى نفس يتحول الإنسان هاهنا إلى جبار يتجاوز كل الخطوط الحمراء في المجتمع مبرراً ذلك عبر اجتزاء النصوص إما عن سياقها وإما اجتزاء النص من واقعه التاريخي.

مشكلة الفكر السلفي تكمن في نزع النصوص من سياقها التاريخي وزرعها في واقع اجتماعي مختلف ومتباين أشد التباين عن واقع تلك النصوص، دون النظر في ضرورات الواقع الجديد ومدى توافق النص مع الواقع من جهة، وماهى أولوية استخدام النص في هذا التوقيت أو ذاك.

فمن ناحية السب فليس بمستنكر تاريخياً إذا ما التجأ الشيخ لكتب التراث وانتزع منها الشتائم بين المذاهب، فليس غريباً على من قرأ بعض كتب الردود بين المذاهب أن يرى وصف أبو حنيفة الإمام بأنه أبو جيفة أو رميه بالزندقة واتهامه بالاستتابة مرتين، فذاك أمر معلوم من التاريخ بالضرورة.

ومن ناحية ثانية، وبغض النظر عن مكانة أبي بكر بين المسلمين، فاستعمال فعل أبي بكر كدلالة على جواز الفعل به خلل واضطراب كبير في الاستشهاد، وبه تجاوز لأبسط قواعد التدليل التاريخية.

أبو بكر صحابي جليل، وصاحب رسول الله، لكن مَنْ أثبت لأبي بكر صفات النبوة في التشريع، لاسيما والتشريع هنا ليس موافقاً للقرآن ولا لصحيح السنة، ومن قال أنه يجب علينا التأسى بكل صفات وأفعال أبي بكر؟

نعود إلى أزمة الفكر السلفي في تقديس النصوص حتى التاريخي منها متجاوزاً الاعتبارات والقواعد التى تحكم وتنظم عملية الاحتكام إلى النصوص وتأويلها.

يلجأ الفكر السلفي إلى اضفاء هالة من القداسة حول النصوص، ويحاول تقديم صورة للنص تكاد تجعله ينطلق بلسانه، رغم أن النص لا ينطق ولكن ينطق به الرجال إلا أنه يضعك بين خيارين (إما\أو) إما أن تقبل النص بالتفسير الشائع لدي أو أن لديك قصور وخلل في اعتقادك.

وهى آفة الأفكار الرجعية والتنظيمات الأصولية. الثنائيات النابعة من النظرة الأحادية للأمور، بغض النظر عن المساحة الرمادية في تفسير أي نص، إلا أنهم يتغاضون عنها لصالح التفسير الداعم للأيدولوجية.

مثلاً في واقعة أبي بكر والتى انفعل فيها دفاعاً عن رسول الله، وقال ما قال من كلمة يستعملها الشيخ ليبرر كلامه ضد الفنانة، تجاوز الشيخ بشرية أبي بكر مستخدماً مكانته التاريخية كدلالة على جواز ما قاله أبي بكر وجواز ماقاله الشيخ، والبشرية هنا تعنى القابلية للخطأ والقابلية للعصيان.

نعم أبو بكر يخطأ ويعصى، ونعم يخطئ الأنبياء أيضاً، بل ويعصون، ألم يسمع الشيخ قول الله "فعصى آدم ربه فغوى" ؟ ألم يقرأ عن بشرية الرسول في قصة تأبير النخل وقوله لأصحابه "أنتم أعلم بشؤون دنياكم"؟

لا أشك أن الشيخ قرأ وعلم وفهم، بيد أن التحيز الأيدولوجي يخفى الكثير من الحقائق لصالح الجماعة أو التنظيم أو حتى الفرد المؤيد للفكر.

عبر حقائق التاريخ أيضاً يمكن للمرء التدليل على جواز الزنا مثلاً كما فعل الصحابي ماعز والمرأة الغامدية وكلاهما رأى رسول الله وثبت صحبتهم لرسول الله، بغض النظر عن كوّن مكانتهم أقل، إلا أن استخدام منطق الشيخ لتبرير سوء الخلق يمكننا من التدليل بفعل الصحابيين على جواز الزنا، متعامين عن النصوص القرآنية الناهية عن الزنا.

إذن التاريخ قابل للتدليل على كل شئ إذا ما أضفيت عليه مسحة القداسة، وانضاف إلى النصوص المقدسة مع توافر الهوى الأيدولوجي عند المفسر يمكن استعمال النصوص التاريخية لتبرير كل الواقع أيدولوجيا.

وهنا تكمن خطورة الفكر السلفي في تجاوز مايختلف مع أفكاري لصالح مايتفق معها، ويستعمل النص كأداة يطوعها المتحيز للفكر كيفما شاء متغاضياً عن احتمالية النص للتأويل من جهة، ومتعامياً عن بعض النصوص التى تفقد النص الذي يحتج به دلالته.

وهنا تقدم العلمانية حلاً يفك الاشتباك بين النصوص وتفسيرها، حيث أولاً ومن منطلق أولي تقدم العقل على النقل، ومن هذا المنطلق لا قداسة لبشر، إنما كل القداسة للنص في صورته الأولية، لا في صورته التفسيرية.

ومن منطلق ثاني تقدم العلمانية رؤية أكثر شمولاً واتساعاً للنصوص، حيث أنها ترفض سلطة الكهنوت، فمن ثمّ فإنها تقبل كل التفسيرات للنص مادام لا يخالف التفسير القواعد والأعراف المتفق عليها في العلوم المنوط بها تحليل الخطاب وتفسير النصوص.

ومن ناحية ثالثة، فإن العلمانية تأبى استعمال النصوص كتبرير للواقع، فإنها تفصل بين ماهو سياسي وبين ماهو ديني، أو بمعنى أدق تفصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية، فيصبح النص بمنأى عن التلاعب به، ويصبح الواقع عرضة للتحليل العلمي دون اضفاء قداسة عليه.

.


Share/Bookmark

الأربعاء، 1 أغسطس، 2012

مناجاة عاشق (محاولة صوفية)

لا تدركها الأبصار، وهى تدرك القلوب العاشقة.

في تجليها تحتجب الملائكة خشية الاحتراق، وتشرق ألوهيتها على سماء دنيا عشّاقها، عاشق ذبل في حضرة مولاته، وعاشق تلاشى في ذاتها حتى صار في تجليها غيره، وعاشق شرى نفسه بالجهاد في حبها.

طفلة سماوية التكوين، تجلت في رحم السماء منذ الأزل، وخر عشاقها لها منذ القدم، فهى قديمة كالأزل، جديدة كالأبد، لها نعيمها وجحيمها، فإن رضت منحت، وإن رضت منعت، فالأمر كله لها، والعشق كله بيديها، والنور مشرق بين ثنايا كفوفها.

تجلت ذات يومٍ لي، وقد كنت في حضرتها منذ سنون مضت، ونهضت لأدرك نورها، فتعثرت في صفاءها، واتكأت على طفولتها لأنهض مرة أخرى لأدرك لحظة التجلى، فغرقت في لجة بحرها، ورحتُ بغير هدى أصارع أمواجها، رغم عتوها وشدتها، بقيتُ طافياً كالموتى من الأسماك.

غير أني أحيا في ضياءها، وأذوب فى ذاتها، حتى تتحد أرواحنا. وكان الاتحاد عسيراً، فرضيت بحلولها فيّ، ولم ترض بحلولي فيها، وقالت: كافرُ، رغب عن ملة آبائنا.

قلتُ: الحب دين آبائي وآبائك، والعشق مذهب أهل الحقيقة.

قالت: لا علم لي بمفرادتك، صوفي أنت، أم عاشق مجنون؟

قلتُ: محبٌ على بابِ حضرتك، ألمح طيفك، وأرغب في لحظة التجلى، فهل يؤذن لي بالولوج إلى عالمك؟

قالت: ما أدرك عاشق غايته إلا بالاختبار، وما وصل محبُ إلى فؤاد محبِه إلا بالاحتراق في النار.

قلتُ: محبُ أتاكِ على جواد الدهر تائباً، ونار العشق أولى بالمذنبين من العشاق، عِرفتُ قبلكِ وماعرفتُ، وعشقت قبلك وما عشقت، واكتويت بنار الحب حتى هويت إلى دركة العشاق.

وانطلق لساني في حضرة سيدتي، فبوحت بالكفر في داخلي، وأطلقت عنان إيماني بها، وسجيتُ جسدي على أرضٍ وقلتُ: ميت بين يدي سيدته، فإن أرادت أردتُ، وإذا شاءت شئتُ.

فمست على مهل يدي، وطاف نورها في باطني، فالتمع داخلي، وشعرت بنور ونار، فأشرقت بنورها، واكتويت بنارها، فبدت أشد مما بدت في تجليها الأول، واستحال طيفها طفلة تركض في باطن أجدب.

وتبسمتْ، ففتحت خزائن، وهبطت رحمات، واخضرت أرض باطني، ودبت حياة في قلب فارق الحياة، واشتعل باطني بالنور، فلفظت كفري، وفضحت إيماني.


Share/Bookmark

الاثنين، 23 يوليو، 2012

ثورة يوليو وثورة يناير.. تكامل أم اختلاف؟

nasser8هل الانخراط فى مناقشة الماضى مجدية؟

سؤال طرحته على نفسي بعدما كتبت بعض السطور في مقال عن ثورة يوليو بما لها وبما عليها.

وأظن أننا سننقسم ثلاث فرق، فرقة مع وفرقة ضد وفرقة تحاول الوقوف على الخط الفاصل بين الانتماء والرفض.

أنا لست من جيل يوليو بطبيعة الحال، لكني ممن تأثروا بما فعلته ثورة يوليو، فمن منطلق المعادين لثورة يوليو، أو بتعبير أدق انقلاب يوليو، قضيت عمري كله إلا قليلاً تحت حكم عسكري فاشل، أدار مصر لثلاثين عاماً بمنطق العزبة، وكان منطق العزبة هو من منجزات ثورة يوليو.

ومن زاوية أخرى، انتقال أبي من الطبقة الفقيرة -جدا- إلى الطبقة المتوسطة يبقى من منجزات يوليو، بغض النظر عن سياسات السادات، أحد أبناء يوليو، في الاقتصاد، والتى تركت مصر على حافة الانهيار بعد سلسلة من الديون وفوائد الديون أغرق فيها السادات مصر.

إذن لتلك الثورة وجهتين، كالعملة، يمكن النظر إليها عبر إحداهما، ويمكن النظر إليها عبر كليهما، ولكن كيف ننظر إليها بدقة وإنصاف والتاريخ يكتبه المنتصرون فحسب، بينما المهزمون ينزون في ركن قصي من الحياة.

حركة التاريخ ليست دائرية ولا خطوط مستقيمة يمكن السير عبرها لنصل إلى نقطة الابتداء لننطلق منها، بأيهما تبدأ: منجزات العصر السابق أم إخفاقاته أم تنطلق من بدء الثورة مناقشاً ما لها وما عليها؟

إن الأساس الذي يمكن أن ننطلق منه هو المقارنة بين نظامي الحكم في عهد فاروق وناصر، وليس منجزات عصر كل منهما بطبيعة الحال، فترسيخ المبدأ أهم من مؤشرات البورصة ومدارس الفقراء.

كان النظام ملكياً يحكم فيه الملك، وثمة نظام برلماني هش، يمكن للملك أن يتلاعب به، كان حزب الوفد، حزب الباشاوات، هو المهيمن في ذلك التوقيت، رغم الصراعات التى دارت داخله.

جاء نظام يوليو ليهدم الملكية، ويؤسس لجمهورية ديمقراطية حديثة.

غير أن نظام يوليو قد اكتفى بإعلان الجمهورية دون الديمقراطية الحديثة، ورسخ عبد الناصر بعدما أقصى محمد نجيب عن المشهد السياسي لحكم الفرد المطلق، ربما لم تشهد مصر قبل عصر ناصر حكماً ديمقراطياً راسخاً، لكننا نحاكم ثورة بما أعلنت من أهداف لها تسعى إلى تحقيقها.

إن الثورة حينما تعلن عن نفسها فإنها ترفع مطالبها أولاً وتدعو الناس للالتفاف حولها لتحقيق المطالب، ومدى نجاح الثورة أو إخفاقها يتوقف، في الحقيقة، على ما تحقق من تلك المطالب.

في البدء كان من العسير محاكمة ثورة يوليو تبعاً لما تحقق من أهدافها، وذلك لما يسمى بالحرب على الثورة المضادة في ذلك التوقيت، لكن الحرب طالت وامتد أمدها حتى شملت من كانوا يوماً في صف يوليو، وزجت بالكثير من الإخوان واليساريين في سجونها ومعتقلاتها.

لن ننحرف كثيراً لنناقش قضية الحريات إبان نظام يوليو، لكن المجدى أن نعود إلى شكل الدولة، أعلنت الجمهورية، وخفتت المطالبة بالديمقراطية، ربما لظروف كثيرة، أهمها أن الرئيس الجديد بحاجة لفرصة لتثبيت أقدام الثورة وهدم النظام القديم.

انطلق الرئيس الجديد بثورية شديدة يحطم النظام القديم، ويؤسس لنظام جديد، بيد أن النظام الجديد في جوهره لم يختلف كثيراً عن النظام السابق له، سوى في بعض الشكليات التى لم يتأثر بها جوهر نظام الحكم.

أسس ناصر نظام حكم جمهوري فردي عسكري، رئيس عسكري يخلع ملابسه العسكرية ويعتلى منصب رئيس الجمهورية ليدير الدولة بذات المنطق الذي يدير به الجيش، الطاعة مقدمة على كل شئ، الولاء أهم من الكفاءة.

قلد ناصر المناصب المدنية لكثير من العسكريين، وانتشروا كالنار في الهشيم، وانتقل بعضهم من الطبقة المتوسطة للطبقة البرجوازية، وبهذا قامت ثورة يوليو باستبدال برجوازية الملك ببرجوازية العسكريين، وحصل اختلاط وتداخل بين البرجوازية القديمة والبرجوازية الجديدة عبر شبكة من التصاهر بين الطرفين.

ثم انشغل الرئيس الفرد بقضية التحرر الوطني ودعمها في مصر وخارجها، وهذا شئ نفخر به، وإنما ليس على حساب الحريات داخل الوطن. انقلب نظام يوليو ضد الجميع وصار كل صوت  يختلف مع الرئيس معادي للثورة، ويناهض قضية التحرر وعميل لللاستعمار.

كرّس ناصر لتخوين المعارضين، وأضحى الزج بهم في السجون عادة يمارسها نظامه بكل أريحية، دون التفات لأن القضية الأم هى تحرير الوطن لا تحرير النظام الذي يحكم الوطن.

إن شكل دولة يوليو يبدو هكذا، رئيس عسكري يحكم جمهورية مدنية عبر جهاز أمني قوي، يرفع راية التحرر الوطني وبعض الشعارات الاشتراكية، ثم لا مانع من استخدام الدين عند الحاجة، مع تخوين المعارضين للنظام والرمي بهم في السجون كلما ارتفع لهم صوت.

إن القضية الأساسية في الثورات هى قلب نظام الحكم والإتيان بنظام حكم جديد يخالف النظام القديم، ليس المطلوب أبداً أن يأتى نظاماً جديداً فحسب، بل المهم والأهم أن يكون نظاماً مخالفاً لما سبقه في النهج والمنهج.

لكن نظام يوليو بكل منجزاته كرّس لنظام ملكي من نوع جديد، نظام الأب فيه هو الجيش والأبناء هم الضباط يتوارث بعضهم مصر كلما غاب الآخر.

إن نظام يوليو قد وضع الأساس لدولة مبارك، وامتدت هذه الدولة في خطوط مستقيمة تنحدر للأسفل عبر نظامي السادات ومبارك، وكان من الطبيعي أن تشتعل ثورة جديدة للتخلص من نظام يوليو، والثورة الجديدة بطبيعة الحال تأتى لتقلب النظام القديم وتستبدل نظاماً جديداً بدلاً منه.

لا يمكن بطبيعة الحال أن تكون ثورة يناير امتداداً لثورة يوليو، فيوليو قد جاء بالعسكريين إلى نظام الحكم، وأسس دولة الولاء فيها أهم من الكفاءة، والاستبداد فيها خير من الديمقراطية، فالرئيس هو الأب والراعى للشعب، والشعب قاصر عليه أن يستمع لما يراه الرئيس مادام الرئيس وطنياً مخلصاً ولو كان ذلك على حساب الحريات.

إن الشعب لا يريد نظاماً يطعمه ويشربه، إن الشعب يريد وطناً لا حظيرة، يريد وطناً يعارض فيه الرئيس، وطناً لا يخشى فيه أمن الدولة، وطناً لا يقتل أبناءه بالمدرعات، وطناً لا يسرق قوت الشعب لصالح الجنرالات.

إنني باعتباري أحد أبناء يناير لا يمكن أن أقف إلى جانب نظام يوليو ولا يمكن أن أنكر منجزاته، لكن تلك المنجزات ضاعت عبر النظام الذي كرسته ثورة يوليو. كان طبيعياً أن تصل مصر لما وصلت إليه في عهد مبارك، فإن آلة الاستبداد لا تنتج وطناً حتى ولو كانت بدايتها تبدو مبشرة.

لأن ثورة يوليو جعلت نظام الحكم فردي عسكري، فكان من المنتظر أن تتغير السياسات تبعاً لتغير الرئيس، وبهذا يتحمل نظام يوليو ما أقدم عليه السادات وخلفه مبارك.

نظام الحكم هو الأهم لأنه المنتج لكل ما نراه على الأرض في الواقع، ولأن نظام يوليو نظام فردي عسكري استبدادي فلا يمكن إلا أن أنحاز إلى المعادين له.


Share/Bookmark

الرجل الودود عمر سليمان واللواء السلفي

عمر-سليمانعلّق رون سوسكيند في مجلة التايمز الأمريكية على وفاة رئيس المخابرات المصرية السابق عمر سليمان قائلاً:”إنه رجل خير وودود، إنه يعذب الناس الذين لا يعرفهم فقط”. وفي سياق آخر نشرت جريدة البديل الإلكترونية خبراً عن حزب الأصالة السلفي وابتدأت الخبر “وصف اللواء عادل عفيفي, رئيس حزب الأصالة السلفي, ومساعد وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي” وقد استوقفتني العبارتان كثيراً وتأملتهما لشئ لم أكن أعلمه، تحمل هاتان العبارات دلالة هامة ربما يعسر استجلائها للوهلة الأولى، لكن، مع المزيد من التفكير ربما يلوح لك رابطاً قوياً بين العبارتين.

العبارة الأولى تحمل معنى السخرية من الشخصية الأكثر غموضاً في العقود الماضية، الرجل الذي لم نسمع له صوتاً طوال خدمته في المخابرات، إذ كيف يجتمع معنى الخيّر والود مع التعذيب؟ ويتجلى أكثر دلالة العبارتين في العبارة الثانية حيث تصف رئيس حزب الأصالة “السلفي” بالمساعد الأسبق لوزير الداخلية حبيب العادلي.

وهنا تكمن دلالة ربما لا نلتفت إليها عند القراءة العابرة للخبرين، ذلك أن استعمال معانى أخلاقية\دينية في وصف بعض الشخصيات أو الأفعال مع ظهور أفعال\أوصاف لتلك الشخصيات على النقيض تماماً من الأفعال الأخلاقية\ الدينية يحمل ازدواجية لطالما حارت العقول في فك اللغز حولها.

إن العبارة الأولى بما لها من دلالة ساخرة استخدمها الكاتب،والعبارة الثانية بواقعها المؤلم، تعرى مجتمع “التدين الكاذب”، المجتمع الذي يغرق إلى أذنيه في دركات الاستبداد والاستعباد مطلقاً أوصافاً أخلاقية ومستعملاً مظاهر دينية لترسيخ الاستبداد وتعميق معنى السلطوية عبر تغليف الاستبداد والسلطوية بمسحة دينية.

عمر سليمان ذلك الرجل الذي وصفته مجلة النيوريوك تايمز بأنه رجل المخابرات القوى الذي تعرفه العامة، لكنها لا تعرف عنه الكثير، فالرجل عاش حياته محاطاً بغموضٍ شديد، حتى واقعة اغتياله أيام الثورة لفها الغموض وأحاطت بها الكثير من الشكوك، والرجل نفسه صمت ولم يفصح عن حقيقة العملية، وكأنه كان منتشياً بهالة الغموض التى تظله أينما حلّ.

عمر سليمان اشتهر في الأوساط السياسية برجل العلاقات المصرية-الاسرائيلية، لم يكن أحداً غيره يأمن له مبارك لإدارة أي ملف يخص تلك العلاقات، ربما لما قيل عنه أنه كان يحمل نفس العداء الذي يحمله مبارك للحركة الإسلامية في مصر وفلسطين، وبالارتباط الروحي القائم بين الحركتين.

عمل سليمان على إفشال المفاوضات بين فتح وحماس، وكان الذراع المصرية\الإسرائيلية لإفشال أي مفاوضات حقيقية بين طرفي الصراع في فلسطين، بل كان الرجل أقرب إلى طرف السلطة الفلسطينية المرضي عنها من الجانب الإسرائيلي.

ولطالما حمل الرجل حماساً شديداً لتطويق قطاع غزة، وحصار الحدود مع مصر، لا كما كان يشاع حماية للأمن القومي المصري، فعدد القتلى في ذلك التوقيت من الجنود المصريين على يد الإسرائيليين، دون رد واضح من القاهرة، يقودنا حتماً إلى حالة الانبطاح أمام الكيان الصهيوني.

وفي الشأن الفلسطيني أيضاً، عُرف عن الرجل أنه كان يشرف بنفسه على عمليات تعذيب الفلسطنيين المعتقلين في مصر، كما أنه عمل في برنامج تعذيب المطلوبين للولايات المتحدة الأمريكية، وقد أسلفنا نشر تعليق نيويورك تايمز على التعذيب بالوكالة الذي كان يديره سليمان عبر المخابرات المصرية.

ويبدو في موقف سليمان من طلب الولايات المتحدة عينة من محمد الظواهري شقيق أيمن الظواهري القيادي بالقاعدة مدى “كفاءة” الرجل في أداء عمله، حيث عرض على الولايات المتحدة إرسال “ذراع” محمد الظواهري كاملة لأخذ العينة اللازمة من الـ  (DNA).

كان عمر سليمان رجلاً “مخلصاً” و “جاداً” في عمله، لم يكن يكترث بأي شئ سوى أداء عمله على أكمل وجه، ولو كان العمل يقتضى تعذيب الآلاف وسحق المعارضين وبث الفرقة بين الفلسطنيين لبث الطمأنينة داخل أصدقاءه في الكيان الصهيوني.

ربما يستغرب استخدامي لكلمات مثل “مخلص” و”جاد” في وصف الرجل، لكن تلك الازدواجية هى التى نغرق فيها منذ وفاة الرجل، فالبعض يدعونا للترحم عليها والدعاء له بالرقود في سلام، لأن هذا موقف إنساني بغض النظر عما اقترفته يد الرجل من جرائم كان يجب أن يحاسب عليها، لا أن يخرج بكل وقاحة معلناً ترشحه لرئاسة الجمهورية.

إن الحماس الذي قوبل به ترشح سليمان من قبل الكثير من الدوائر الاجتماعية يشى بشئ مما أتعرض له الآن، ازدواجية المجتمع إزاء مجرم، غلف البعض جرائمه بإطار أخلاقي من نوعية أنه كان مخلصاً وجاداْ وكان عقله دائماً مشغولاً بحماية الامن القومي المصري، متجاهلاً أنه كان يحمى الامن القومي من المصريين ويحمى الحدود من الفلسطنيين، بينما يدير ظهره للدبابة الإسرائيلية غاضاً طرفه عما ترتكبه من جرائم على الحدود.

وعلى الطرف الأخر يقف المساعد الأسبق لوزير الداخلية المدان بقتل المتظاهرين ملوحاً بسيف الدين، وكأنه الحامى للدين بعد مئات السنين، ومع أن سيادة اللواء كان يقف إلى جوار القاتل حبيب العادلي إلا أن سيادة اللواء بعدما أطلق لحيته، ووضع نفسه في إطار التدين تناسى كل ما اقترفه الوزير وهو إلى جواره وخرج شاهراً سيف حماية الدين.

إن سيادة اللواء الذي ظل صامتاً طوال فترة خدمته مع الوزير القاتل خرج ليؤسس حزباً دينياً يكرس الفكر السلفي الذي كان الكثير من أعضاءه في سجون حبيب العادلي، بينما سيادة اللواء يجلس في مكتبه يلقى بالتحية العسكرية للوزير القاتل، ورغم ذلك لم تثر أي نوازع دينية في سيادة اللواء.

التدين الكاذب وحده يقف وراء صمت اللواء السلفي عن جرائم العادلي، فبعض الصلاة ولحية بعد المعاش ربما تمحو تاريخ طويل من تكريس الاستبداد عبر ألة أمنية كان اللواء السلفي أحد تروسها التى تعمل بكفاءة لمنع الناس من تنفس الحرية أو التطلع إلى العدل.

إن الدعاء بالرحمة لسليمان، أو الصلاة عليه، يبقى موقفاً شخصياً، لكنه يحمل دلالة هامة في حالة الازدواجية التى يعانى منها الكثيرون في المجتمع، حيث أن مقاصد الدين تغيب وراء مظاهر فارغة، وتبقى اللحية والجلباب أهم من العدل والحرية.

إننا بصدد ظاهرة يجب التوقف عندها كثيراً، والتأمل في مظاهرها في المجتمع المصري، قبل أن ترسخ آلة الاستبداد الديني مظاهر التدين الكاذب لتصبح صلاة الرئيس أهم من عدله.


Share/Bookmark

الخميس، 12 يوليو، 2012

مغالطات في مقال عبد الرحمن يوسف

arahman كتب الأستاذ عبد الرحمن يوسف مقالاً في جريدة اليوم السابع تحت عنوان “أفكار خاطئة عن حرية الاعتقاد” وعرض فيه رأيه في  اعتناق بعض الأديان والمذاهب التى تخالف المزاج العام المصري، ولأن الأستاذ عبد الرحمن له مكانته كشاعر وكشريك من شركاء الميدان آثرت أن أناقش ماكتب في حدود ماتسمح به حرية الرأي دون تجريح أو تسفيه لرأي أو لشخص.

بداية اتفق الكاتب أن حرية الاعتقاد مكفولة وفقا للقانون وحسبما جاء به الشرع، وهنا نقطة تلاق وركيزة ننطلق منها لنناقش ماكتب موفرين الجهد الكثير لإقناع الأستاذ بماهية حرية الاعتقاد. 

الحرية أولاً هى التحرر من كل القيود والأغلال التى ُتفرض على الإنسان من خارجه، حيث أن الحرية الحقيقية هى التحديد الشخصي بمعنى أن يكون القرار والاختيار نابعان من داخل الشخص لا مفروضان عليه، وفي حرية الاعتقاد يصير الأمر أكثر تعقيداً وتشدداً، ذلك أن أمور الإيمان هى حاجة شخصية بحتة لا يمكن لأي كائن أن يتدخل فيها أو يفرضها على إنسان بأي صورة من الصور.

وذلك لأن فرض أمور الإيمان على الأشخاص يحيل هؤلاء الأشخاص من مؤمنين بعقيدة -وإن كانت تبدو لي خاطئة- إلى منافقين يظهرون خلاف مايبطنون درءً لبطش الدولة أو المجتمع.
ولأن الله قد ترك لنا مساحة واسعة في اختيار مانعتقد وأرجأ أمر الحساب إلى القيامة فلا ينبغى لبشر أن ينصب من نفسه إلهاً أخر يفرض على الناس ديناً أو مذهباً  تحت زعم حماية الدين أو حتى حماية الأمن القومي.

يقول الأستاذ عبد الرحمن أن البعض يخلط بين حرية الاعتقاد وحرية التبشير، وبدا لي من سطوره أنه يرفض حرية الاعتقاد مادام يلازمها حق التبشير، والأمر هنا لا يبدو خلطاً من الأستاذ بل يبدو خلطاً عليه، فقد اختلط عليه الحق في الاعتقاد والحق في التعبير والبون بينها شاسع.

فإذا كان الكاتب يؤمن بحق الاعتقاد فعليه أن يؤمن بحق الإنسان في عبادة الشمس والقمر والنجوم، أما الحق في الدعوة إلى المعتقد فتلك مرحلة أخرى تندرج تحت الحق في التعبير عن الأفكار والأراء والمعتقدات، ولا أظن أبداً أن كاتباً وشاعراً عارض ديكتاتوراً يمكن أن يقيد حرية التعبير تحت أي مسمى من المسميات الهلامية التى تشبه فقاعات الأنظمة المستبدة لضمان بقاءها.

ذلك أن باب الأغلال إذا فتح ضماناً لحماية بعض المقدسات سواء دينية أو سياسية فإنه لن يغلق حتى يلتهم كل مايقع في طريقه من حريات، فيصبح المعارض خائناً لأنه يمس أمن الدولة المتمثل في رئيس الدولة الذي يمثل الدولة، ويصبح القائل برأي مخالف لرأي المؤسسة الدينية الرسمية مارقا من الدين لأنه أهان المؤسسة التى تحمل الرسالة الدينية.

وهكذا ننتقل رويداً رويداً تحت مسمى حماية الأمن القومي أو حماية المقدسات الدينية أو الحفاظ على النسيج الوطني إلى العصور الوسطى لنجد رجالاً يسجنون ويقتلون لأن بعضهم قال بخلق القرآن وأخرين قالوا بآزليته!

إن الدولة المدنية -العلمانية- تكفل لكل إنسان الحق في المعتقد وكذلك الحق في التعبير عن الأفكار، ولا يمكن أن تكون الدولة مدنية ديمقراطية دون كفالة تلك الحقوق، فقد اتفقت الإنسانية فيما بينها على ضمانات أساسية لبقاء البشرية تضمنت ما سمي بالحقوق الأساسية وعلى رأسها الحق في الاعتقاد والحق في التعبير وحق المسكن والملبس وغيرها.

إن انتزاع حق من حقوق الإنسان حفاظاً على تربة الوطن من العبث بجيناتها يدفع بالوطن إلى هاوية الدولة المستبدة سواء بإطار ديني أو سياسي، حيث تخلق الدولة أصناماً لا يمكن المساس بها، ويصير المعارض لها إما خائناً أو كافراً.

يقول الكاتب: “حين يتحدث اليوم بعض الأشخاص عن حرية البعض فى اعتناق المذهب الشيعى، أو فى عبادة الشمس والقمر والنجوم... إلخ، نحن هنا لا نتحدث عن حرية الاعتقاد، بل نحن نتحدث فى صميم السياسة والأمن القومى المصرى”

وأقول إن من صميم السياسة والامن القومي المصرية حماية حق كل مصري في اعتناق ما يشاء من أديان ومذاهب بحيث تبقى مصر السماء التى تظل كل المصريين باختلاف معتقداتهم وأفكارهم، ولا ينفذ بعض من لا يحبون الخير لمصر من باب الأقليات المقهورة، ولك في السودان عبرة ياسيد عبد الرحمن.

ثم يضيف: “أغلق باب بيتك، واعبد ما شئت، واكفر بما شئت، ولكن من حق المجتمع والدولة أن تتخذ جميع الإجراءات حين تكتب مقالة، أو تنتج فيلما، أو تؤلف رواية، أو تبدع قصيدة، أو تؤسس حزبا..”
وهذا رأي لا يختلف عن رأي الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل في الفن، أغلق عليك بابك وارسم او اكتب أو غنى ماشئت ولكن لا تنشر ما أبدعت على الناس لأنه يمس المزاج العام المتدين بطبيعته.
وقد أسلفت لو فتح هذا الباب على مصراعيه لأندفعنا إلى هاوية تفكيك الحريات لصالح استبداد قلة حاكمة أو رأي عام ليس بالضرورة صحيحاً.

ولست بصدد تذكير الأستاذ بما دار بين الرسول والمشركين من حوارات ومناظرات تندرج بالتعريفات الحديثة تحت حرية نشر المعتقد، قد استنكر الله في كتابه على المشركين أنهم كان يصمون آذانهم عن سماع الرأي الأخر اعتقاداً منهم بصحة ماجاء به آبائهم، ووبخ الله المشركين لأنهم منعوا الرسول عن الجهر بالحق، رغم أنه لم يكن في ذلك التوقيت حقاً جلياً ظاهراً.

ثم يختم الأستاذ عبارته السابقة بجملة عجيبة حيث يقول: “المعتقد الدخيل على البلد” ولا أعرف في الدنيا بلداً لها معتقداً أصيلاً ومعتقداً دخيلاً فمصر انتقلت من الوثنية إلى التوحيد إلى المسيحية إلى الإسلام والمسيحية معاً ولم يقل أحداً بأن ثمة معتقد أصيل ومعتقد دخيل، فالمعتقد يبقى معتقداً دون حسابات سياسية تفرق بين الأصيل والدخيل.

ويذهب الأستاذ عبد الرحمن إلى التجربة الأفغانية مذكرنا بأنها كانت بلد هادئة وجميلة لولا بعض الشيوعيين والملحدين الذين اعتلوا سدة الحكم وفرضوا تقدميتهم على الناس فاختلت الدولة حتى أضحت معقل طالبان !

وليكن الأستاذ رحب الصدر ويتقبل أن نقول له لقد أخطأت في الدليل وفي استنباط الحق من بين ثناياه، فالتجربة الأفغانية لم تفشل بسبب حكم الملاحدة والشيوعيين بل أفسدها تيار معين أراد فرض نمط معين من الحياة على الناس، وأخذ بالبلاد إلى العصور الوسطى ظناً منه أنه يحمى الدين من براثن الشيوعية والإلحاد.

إن القضية هى في كلمة “فرض” سواء كان المفروض شيوعية أو إسلامية أو غيرها، إن قضيتنا التى ندافع عنها ونناقش فيها الكاتب هى حرية الناس في الاختيار، ولعل مادلل بها الكاتب يقف في صفنا ولا يدعم رأي الكاتب.

وأنتقل مع الأستاذ إلى مطالبته الدولة بالتدخل في أمر التبشير، لحماية البلاد والعباد من الاخطاء الخارجية التى تتهددها عبر المذاهب “الدخيلة” ماهو الدور المنوط بالدولة القيام به إزاء التبشير؟ هل تمنع الدولة التبشير تماماً وتندرج الدعوة الإسلامية تحت مظلة المنع ؟ هل تسمع الدولة للأقباط الأرثوذكس بالتبشير لأن دينهم ليس “دخيلاً” على الوطن ؟ هل تختار الدولة مذاهب معينة وأديان معينة تسمح لها بالتبشير وتحجب البعض الاخر ؟

إنني لازالت في حيرة مذ قرأت ماكتب الأستاذ، ولا أعرف كيف يمكن لكاتب وشاعر أن ينحو هذا المنحى في مطالبة الدولة بتقييد الحق في التعبير عن المعتقد، وكيف ينادى بتدخل الدولة في أمر من الامور الشخصية، وهل يسمح الأستاذ بتدخل الدولة في منع أنماط الملابس الغربية لحماية نسيج الوطن من العولمة والعلمنة الغربية ؟ وهل يرضى الأستاذ أن تفرض الدولة لغة معينة للكتابة والقراءة على عموم المتدينين لصيانة لغة الدولة ؟ 

إن هذا الرأي -كما أسلفت- يقود مصر إلى حافة الاستبداد ويجعل من الدولة إلها آخر يحاكم البشر فيما يعتقدون وفيما ينشرون، وأرى أن الأستاذ قد جنح برأيه إلى الرأي السلفي في دور الدولة، وهذا لايعنى أن الأستاذ قد تسلف، فلست من الذين يؤمنون بالثنائيات الناشئة عن النظرة الاحادية للأمور.

وأخيراً أذكر الأستاذ بما قاله الدكتور نصر حامد أبو زيد في كتابه “نقد الخطاب الديني”: لدينا مشكلة هي أننا باستمرار خائفون على الإيمان، كأن ما لدينا هو إيمان معلول يحتاج إلى حماية. الإيمان لا يحتاج إلى حماية لأنه الاقتناع.


Share/Bookmark

الخميس، 21 يونيو، 2012

الحنين إلى أي شئ !

حزن وحيدة كانت كما حواء حين تركت آدم في حُلمِ لهُ وركضت خلف خطيئة المعرفة. راحت حواء تفتش عن المعرفة بينما هي غارقة في البحث عن ذات مفقودة.

هل هي مازالت هي أم أنها صارت كما يريدونها أن تكون؟

أمطرت سماء ذاكرتها زخات من جحيم الاشتياق إلى أب كان ظل السماء في أرضها، كان حلم تحيا فيه، كان قلب ينبض في جسدها، كان عقل يحمل عبء أحلامها، كان بدء عالمها ومنتهى كونها.

في عزلة عالمه عاشت سنوات هانئات، طفلة تركض فى حلم أبيها، تكبر في عينيه وتصغر دنياها في أب. تجسدت دنياها في شخص أبيها، لم تشعر يوماً بغربة في عالمه، كان قلعة ترد عنها سهام المقربين، ظل مخملي ترقد فيه دون اكتراث بأحزان.

كانت وحيدة مع الآخرين، دافئة بحضرة أبيها. قُبلة دافئة على خد أبيها في الصباح كانت كافية لإعادة ترتيب عالمها، لم تفرط في تلك القبلة يوماً، ولكنه فرط فيها حين غادرها، هل بوسعنا أن نغادر متى شئنا أم أننا نركض رغما عنا إلى هاوية الاغتراب؟

حين كان أبوها، كانت أمها غائبة رغم حضورها الواقعي، أمُ كشأن الأمهات الباقيات، تقضى أغلب أوقاتها في مطبخها، تحفل بأولادها كموظف حكومي يقضى ساعات العمل بملل وسأم يقتلانه.

غاب الأب في رحلة سماوية -ربما تكون قصيرة- للقاء بعض الأصدقاء، وبقيت الأم وحدها، ولكنها غادرت مطبخها لتجلس مرتاحة على كرسي الأب دون أن تتخلى عن أمومتها الحكومية.

كانت هى حائرة يغللها قلق الاغتراب، إلى أين ذهب أبي؟

كانت ترددها بعفوية طفلة يهدهدها الزمان.

وسارت الحياة كعادتها لتسحق أجمل مافينا، وبدت وكأنها تريد الانتقام من أنثى لم تحفل بغير أنوثتها في حضن أبيها.

تقلبت في نار الخلافات بين أم تقضى ساعات الأمومة سريعاً لتنهى ماتبقى لها من سخافات الحياة وبين إخوة يستشرفون المستقبل عبر ماضى أبيهم.

ولأنها صغيرة لا بحساب السنين وإنما بمقدر الأوجاع جرحتها الأيام، واستمرت جراحتها تتوالى يوماً بعد يوم، حتى التقيتُ بها في ساعة بدا لنا أن حزننا القدري قد تلاشى بفعل شئ ما قد اقترفه أبوانا.

كنتُ ودعتُ أبي بعدما أشاح بوجهه بعيداً عني ولم يضحك، ربما كان غاضباً لأن الموت لم يمنحه بضع دقائق ليُقبل أولاده ويودع عالمه ويرقد هانئاً.

وربما كان حزيناً لأن شيئاً ما بيننا قد انقطع منذ زمان بعيد، لا أعرف كنه هذا الشئ، ربما غلط في اختيارات، تبدو سماوية في تجلياتها البسيطة، وبتعقيد أكثر تبدو قدرية بغير إرادة منه.

ببساطة القروي أدرك حتمية الاختيار بحرية تامة بين اختيارات تبدو كثيرة، رغم أنها تصب في قالب كوني واحد يودى بنتيجة واحدة، أوجاع كثيرة.

وبرغبة ملحة حاول ترقيع خرقة قدرية فرضت علينا جميعاً أن نحيا سوياً.

ربما فشل أبي في إعادة ترتيب عوالمنا لتلائم واقع يطل علينا بوقاحة من علٍ، غير أنه، على كل حال، حاول!

كنت دوماً شغوفاً بمن حولي، أفكر فيما يفكرون، وأفتش في عقولهم عن أسئلة تؤرقهم، وتوجعهم، وكان السؤال الأكثر إلحاحاً كلما حدّقت في عيني أبي:

هل حقاً نملك أن نختار بحرية كاملة أم أننا نسير عبر دروب مرسومة سلفاً لنكمل نشوة المشاهدة الإلهية لمسرحية أرضية في مسرح عبثي؟

على كلٍ، كان درب أبي في الحياة قصيراً، في أول منعطف للموت ودعنا ونام.

وكانت أمي تمارس أمومتها كطاغية متسلط، يقسو على رعيته عبر حنينه إليهم، يجلد ظهورهم بسوط الحب، مع ماكان من تقديرات لها أو اختيارات كانت توجعنا وتدفعنا للتلاشئ شيئاً فشيئاً.

الواقع شئ أخر غير الكتب، كانت تقول لي، وكنت أسخر من جهلها بقدرة الفلسفة على تفكيك الأشياء وتبسيطها إلى درجة التعقيد.

كانت تسخر مني، مثل كثيرين أيضاً، وترجمني بكلمات، وأفعال أيضاً، عن قسوة الحياة، إلا أنني كنت أتبع منهجاً علمياً في تحليل مقولاتها لتنتهى إلى لا شئ.

غير أن اللاشئ، بتبسيط أكثر وباختزال أشد، يرسم أجمل الأقدار عبثاً وقسوة.

وهكذا رسم اللاشئ خطاً طويلاً سرنا عليه، أنا وهى، كل منا يسير من طرف، والتقينا في نقطة، بدت لنا مركز الحياة.

امتد بيننا شئ ما قد يكون صداقة أو إخوة مجازية، وتقاربنا وابتعدت أوجاعنا، فصرنا كظلين لشخص واحد، قلب واحد وحزن واحد وأب ترك كل منا يعبث مع الحياة.

ولأن العبور على جسر الصداقة سريعاً ما يفضى إلى طريق الحب، أحببتها، وكتمت حبي لأيام قليلة، وكدت أختنق من فرط كظم الحب في صدري.

صارحتها بغير ترتيب مني ولا استعداد منها.

صمتت كعادتها وضحكت أيضا كعادتها.

عما قليل سيرسو بنا الحب على شاطئ الحزن مرة أخرى. فلسنا كأولئك الذين يتمون أفراحهم للنهاية، وإنما قد كتب علينا الحزن مثلما كتب على الذين عشقوا وكرهتهم الحياة من قبلنا.

تألمت كثيراً لفراقها، وأعرف أنها تألمت.

لكنها صارحتني بعدما انتهينا إلى صداقة أخرى، فهى امرأة ليس بمقدورك أن تنزعها من سياق حياتك تماماً، هى إما حبيبة أو صديقة أو أخت ولا يجوز عليها غير ذلك.

صارحتني بأنها عادت إلى حب قديم، كان أمل دنقل قد حكى لنا عنه، وكنا نجلس سوياً لنضحك من عبث أمل بمشاعر العشاق.

كيف تجلس امرأة مع رجل وقلبها معلق بحب قديم ترك ندوباً كثيرة في قلبها؟

حب قديم لم تشفَ منه، كانت تلك الحقيقة.

إنها لم تشفَ بعد، وربما لاتشفى بعد، ولكن مادوري في تلك المسرحية؟

أهو دور العاشق خفيف الظل؟ يضحكها كثيراً ويوجعها قليلاً ويدرب قلبها على الحب.

ركضت داخل حيرتي بمفردي، فإني أحبني حين أكون حزيناً، وأنزوى بعيداً عني حين أكون فرحاً بشئ ما.

هل كان حقاً حباً أم كان شيئاً عبثياً صنعته يد الحياة ؟

أوقن أنها أحبتني ومع ذلك أتوجع لأنها ارتدت إلى حب قديم كنا نسخر منه.

لا أعرف هل أنا حقاً مغرم بالحزن أم أنه قدر إلهي يصيبني مع كل خيبة؟

يوجعنى أكثر وأكثر عجز حروفي عن التحرر من قيود العاطفة، إنه ألم من نوع أخر، ألم الرغبة في الانعتاق من الكلمات المختنقة بداخلك، ألم سرمدي لا يغادرك إلا عندما تسيل نفسك على ورقات، ربما تطرحها بعد ذاك في أقرب سلة للمهملات!

كل ما أعرفه بعدما أحببتها وأحببت غيرها أني أحب الحب.


Share/Bookmark

الجمعة، 8 يونيو، 2012

في ذكري الشهيد فرج فودة

Farag_Foda_306086722

" لماذا اغتلت فرج فودة ؟

لأنه كافر

ومن أي كتبه عرفت أنه كافر؟

القاتل: أنا لم أقرأ كتبه.

كيف؟

القاتل: أنا لا أقرأ ولا أكتب"

هى مأساة قديمة جديدة في التاريخ الإسلامي، مأساة اغتيال الفكر والكلمة، مأساة ذبح العقل بسكين التدين، مأساة قتل التجديد برصاص الجهل والظلام، هى مأساة الحلاج، والجعد بن درهم، ومئات غيرهم اغتالتهم يد الأثم وهى تتمتم باسم الإله.

هى مأساة القطيع يركض خلف رجال يحتكرون الله، مأساة العقل الغائب، مأساة بيع الجنة بدماء المفكرين، مأساة رجال يتاجرون بكل شئ حتى الله.

إنها مأساة تتكرر على مر تاريخ المسلمين، رجال هم ظل الله على الأرض يطلقون رصاص الفتوى لاغتيال مفكر شرد عن فكر القطيع، وقطيع يركض خلف أبناء الله دون وعي ليفوزوا بالجنة عابرين على دماء الفكر والعقل، إنهم القطيع الذي اغتال الحلاج قبل أن يغتاله الحاكم: صَفُّونا .. صفّاً .. صفّاً
الأجهرُ صوتاً والأطول وضعوه فى الصَّفِّ الأول
ذو الصوت الخافت والمتوانى وضعوه فى الصف الثانى
أعطوا كُلاً منا ديناراً من ذهب قانى برَّاقا لم تلمسه كفٌ من قبل
قالوا : صيحوا .. زنديقٌ كافر
صحنا : زنديقٌ .. كافر
قالوا : صيحوا ، فليُقتل أنَّا نحمل دمه فى رقبتنا
فليُقتل أنا نحمل دمه فى رقبتنا
قالوا : امضو فمضينا (1)

إنهم القطيع الذي يصفق دوماً للظلام، يفرح بغياب النور، يهتز طرباً لحلول ظلام الجهل، ورفع ضياء العقل، فالعقل موجع لمن يفكر، أما الجهل ففيه الدعة والراحة.

لم يكن فرج فودة من هؤلاء الذين يركنون للدعة والراحة، بل كان مقاتلاً عنيداً، يمسك بضياء العلم في يديه، ويلوح بسيف العقل والقلم في وجه جيوش الظلام والجهل.

جاهر فرج فودة بما كان يهمس به المثقفون سراً، كتب عن وهم الخلافة، وعن الإرهاب الديني، وعن الاحتيال والنصب باسم الدين والإله، دخل إلى عش الدبابير الإسلاموية، دون اكتراث بالنتائج، تخلى عنه الكثيرون مثلما تخلوا بعد ذاك عن نصر حامد أبو زيد.

أهو قدر أن يخوض بعض الرجال المعارك لينكشف لهم معادن الأخرين ؟

تحمل فرج فودة طوال طريقه لمجاهدة الظلام الكثير من الطعنات، ليس هيناً أبداً أن تعلن جيوش الظلام حروباً ضدك في بلد يقال أنه متدين بطبيعته.

يقول فرج فودة في مقدمة كتابه (نكون أو لانكون): (إلى زملاء ولدي الصغير أحمد، الذين رفضوا حضور عيد ميلاده تصديقاً لمقولة آبائهم عنى.. إليهم حين يكبرون، ويقرأون ويدركون أنى دافعت عنهم وعن مستقبلهم، وأن ما فعلوه كان أقسى على من رصاص جيل آبائهم).

لم يكن الصمود سهلاً ولا يسيراً في معركة الظلام والنور، كانت السهام تتوالي دفعات دفعات، ولم يكن فرج فودة يحمل في يده سوى قلم يرد عنه السهام.

كانت الأمواج عاتية، لكن المقاتل كان عنيداً، كان يهوى السباحة ضد التيار رغم ما تسببه من الآلام وأوجاع، لم يكن يسيراً أن تجد نفسك وحيداً في معركة تاريخية، لكن الأصعب أن تضطر إلى الدخول بعائلتك إلى تلك المعركة.

واجه فرج فودة الكثير والكثير لكي يحمى مصر من العناكب التى تبني بيوتاً من ظلام، وكانت حروباً ضروساً، وكان وحيداً يحمل قلماً وعقلاً، ورغم ذلك لم يقدروا على اسكاته إلا برصاصات غادرة أعلنت فيها جيوش الظلام انتصارها، لكن الحق أن فرج فودة أعلن انتصاره حين استقبل صدره رصاصات الجهل، وأثبت أن معركته مع الجهل والظلام كان يقف فيها في صف الحق، في صف العمل والعقل والحرية والعلم، لا في صف الجلباب واللحية والرصاص والخنجر.

انتصر فرج فودة لأنه أثبت أن الاختلاف بين الإسلامويين ليس في النوع وإنما في الدرجة كما يقول الدكتور نصر حامد أبو زيد.

فليرقد مفكرنا هانئاً بانتصاره، ولنواصل نحن حرباً ضد عناكب الظلام.


Share/Bookmark

الجمعة، 18 مايو، 2012

وقائع حزن جديد

tumblr_m47eaew5Cs1qczu30o1_500

ربما تحزن لأني لم أكتب عنها حين أحببتها، ولأني وعدتها مراراً أن أكتب عنها، وربما أحزن أنا الآخر لأني لا أكتب إلا حين أهوى في بئر الحزن.

خدعت كل مَنْ حولي حين قلت: لا شئ يوجعني

وكنتُ مذبوحاً، أنزف دماً وحباً. أبكى وحيداً دون خجل من الملائكة.

هويت من علو الوحدة إلى صليب الحب. مصادفة، علقت نفسي على الصليب، ورحت أرنو إلى شئ سماوي يملئ الزمان. كانت هى، على صليب آخر، تحبس دموعها، تردها إلى محجرها، بكل وقاحة، كى لا أراها.

لم أكن أنا القاضى، وإنما الجانى والمجنى عليه، لم أكن جلادها، بل كنت ضحية قلبها.

كانت تبكى وحيدة، مثلما، كنت أبكى وحيداً، وكأن القدر لم يمهلنا ثوان كى نرتاح فيها من تلك الثنائية الأبدية، اثنان يحسان بالشئ ذاته في وقت واحد، كأن يد سماوية قد شطرتنا إلى نصفين، كلُ منا يعيش في زمانه.

وعادت يد الزمان تعبث بنا، فأعادت شطرينا إلى ذات واحدة، التحم كل منا بالآخر، فصرنا روح واحدة في جسدين، وأحس كل منا بذاته المفقودة، ثم بطشت بنا يد السماء، دون خجل، وأعادتنا سيرتنا الأولى، وكأننا مقدر لنا أن نتحمل النزق الإلهي.

لماذا علينا أن نتحمل عبث الزمان ؟ لماذا علينا أن نذهب سوياً ويرجع كل منا وحيداً بلا صدر يأويه ؟ أيكون اختيار تلك اليد خير كما يدعون ؟ وأي خير في أن أفقد من أحببت؟ وأي قدر ذاك الذي يعبث بقلبين وحيدين تنفسا حبهما سويا؟

إنني عاجز عن فهم لماذا تصر تلك اليد على البطش بي رغم أنني قد رفعت رايتي بيضاء، سلمتُ قلبي إليها، موجوعاً، شارداً، شاحباً لا يقوى على حبٍ.

ومع ذلك أصرت أن تدفع بي مرة أخرى إلى هاوية الحب.

كنت على حافة الحب أرقص خجلاً، لا أريد أن أقترب، ولا أرغب في الابتعاد. هكذا اخترت لنفسي موضعاً بين بين، وظننت أن السماء قد تحنو علي، وترنو إلى حالي فتعفو عن قلبي، لكنها أصرت على ذبحي مرة أخرى، وكأن الموتة الأولى لم تكن كافية لأكفر عن كل حب اقترفته فيما مضى.

كانت هى الاخرى سماوية في وحدتها، تحدق في فراغها، تركض خلف سرابات الوحدة، مثقلة بقلب شفيف لا ندوب فيه من أثر التجارب العاطفية.

كان بيننا فراغات كثيفة، ركام من الوحدة، وشئ قليل من الكراهية، ربما تلك الكراهية الخفيفة بين اثنين لا يجمعهما عقل واحد، وربما قلب واحد أيضاً.

ومصادفة جعمتنا الأقدار في طريق واحدٍ، تهادينا على خطى من سبقونا فيه. أصدقاء بينهما ود ومحبة لا تتجاوز حدود هى فرضتها.

ومصادفة مشى قلبي إلى حافة الحب رويداً رويداً، دون نقاش بيننا قد يوقف كل شئ، غير أنه دوماً ما يدفعني إلى مهالك الحب عبر دروب الصداقة، ثم يبكى لأني أوجعه.

لا أعرف مَنْ مِنا المخطئ؟ أنا أم قلبي؟ فكلانا دوماً شريك للآخر في جريمة الحب.

منذ ارتاح قلبي لرؤيتها، أمسكت بمعول الحب لأهدم كل مسافة بيننا، ورحتُ أملئ كل الفراغات، وجاهدت كى أرفع ركام الوحدة من طريقينا.

على قدر اجتهادي في حبها، أحبتني، بصعوبة بالغة، قالت: أحبك.

فرحتُ كما لم أفرح من قبل، رغم ندبة قديمة في قلبي، تركتها امرأة أخرى.

لم أمهلها كثيراً، ولم تمهلني هى الآخرى، قالت: عليك أن تعد بيت الأبدية لنا، سنكمل طريقينا معاً.

كطفل سريع الاشتهاء، قلتُ: سأفعل ماتريد حبيبتي لكى يسعد الكون.

وكانت تلك الأشياء المحملة بتقاليد الأجداد السخيفة، وعادات مجتمعية أشد سخفاً، وانتهى الحلم هكذا دون عذر إلهي لما حدث ولما سيحدث فيما بعد.

بكتْ هى، وبكيتُ، دون التفات إلى نصائح الرجال، قالوا: لاتبكْ، فالرجال لم يخلقوا لهذا.

قلتُ: ولأي شئ خُلق الرجال؟

قالوا: خلقنا لكى نتحمل أوجاع الآخرين.

ولأننا محملون بخطايا الآخرين فعلينا أن نرضى بنزق الآلهة فى توزيع الأوجاع دون عدالة ظاهرة.


Share/Bookmark

الجمعة، 20 أبريل، 2012

كلمات عبثية

tumblr_m2jnc9aYrl1qi1r4fo1_500

دف يعبث مع ناي يكفيان لكى تنام روحك هادئة، وحيدة، بلا صخب فلسفي، ولا نزاعات وجودية..

هواء خفيف يداعب عيون حبيبتك يكفى ليعزف عود شرقي لحن فردوسي التكوين..

صلاة فى صومعتك على وتر كمنجات العشق الإلهي تكفى لبسمة الرب في ليلة شتوية..

أطراف أصابع تمس وتر وتداعب شعر فتاة بيضاء تكفى ليقول لك الوجود: شكراً..

جسد أنثوي يعزف لحناً وحيداً حين يتعرى أمام مرآة كافياً لتقول له الحياة: شكراً..

صدر امرأة في فم طفل ساعة الاغتراب تكفى ليقول لك الذين ماتوا: متى؟

وقفات بين سلمُ موسيقي وأخر تكفى لتنسى همومك الوجودية وتقول للبصيرة: نوماً هانئاً..

نور يفيض من قلبك حين ترى حبيبتك تكفى ليقول لك الليل: شكراً..

بسمة من عيني حبيبتي تكفى ليقول لي قلبي: شكراً..

دمعة من عيني تكفي ليقول لي أبي: شكراً

ضحكة من طفلة تكفي ليقول الموت لنا: شكراً


Share/Bookmark

الجمعة، 13 أبريل، 2012

أنا العاشق السئ الحظ

tumblr_m2cirjTDhX1qe5gy7o1_500

أنا العاشق السئ الحظ.

                                        محمود درويش

أحلق بجناحي نقطتي تاء التأنيث، نقطة فوق جناحي الأيمن وأخرى نائمة على جناحي الأيسر، لاتنفذ منهما واحدة لتوجع قلبي، اختارتا التحليق حولي، وأبيتا القرب من قلب جريح، عما قليل سيلفظ أنفاس أخر حب تعلق به.

كنت صريعاً لحب قديم، اخترت أن أكون عاشقاً قديماً لصديقة حرة، وحدها تملك الاختيار، وقلبي معلق بوثاق طرزته من خيوط شعرها.

تجلت لي على حافة كوخ ترتاح فيه الملائكة، أشارت بيدها، اقتربت، وكلما اقتربت تعلقتُ، وكلما تعلقتُ، أضاءت عيناها الكون، حتى غدوت أسيراً لنور عينيها.

مشيت على منحدر الصداقة خشية أن أسقط في هاوية الحب مرة أخرى، فضحكت الملائكة في كوخها وقالت: ما الصداقة إلا جسر يمر عليه الحبيب إلى قلب حبيبه.

غير أنني مشيت مغروراً بتجارب قديمة، راوغت كل عثرات الحب، قفزت من حُلم إلى حُلمٍ، ومن عين إلى عين، فهويت في بئر عينيها، كبلتني بابتسامة خفيفة تعرف طريقها إلى الفردوس بغير إذن إلهي.

لاحت منها تجليات إلهية ككلمات الرب تحمل أوجه عدة، خضت في تفسيرها، ولم أعبأ بضحايا الحب من قبلي، فسرتُ كلماتها بما يوافق هواي، والرب لا يحب من يمشى خلف هواه، وكانت هى تحب الرب، وكان هو يحبها، فألقى فيها كلمات لا تحمل سوى تفسير واحد: لاتقربي الشيطان، إنه كان عاشقاً قديماً.

كانت هي عقاب إلهي لأخريات مضوا، كانت جند إلهي ينفذ مشئية الرب في قلب جريح، كانت ظل لبطش الحياة بكل الطيبين.

وودت لو همست لها: سأكون طيباً لكي تحبيني لا ليحبني الرب، فنحن نخوض حروباً قديمة، كلانا لايُهزم فيها، وكلانا لا ينتصر، سأصير يوماً طيباً، وسيمنحنا الرب يوم حق الحب.

بعدما أوجعتني، فَهِمتُ، والفهم يوجع كما الحقيقة، فالرب حين أخفى جنوده كان يعلم أن الجندي الخفي أكثر إيلاماً من الجندي القاتل.

كان قلبي جندي مخلص لربه، سار خلفها، وسرتُ خلفه بغير إرادة مني. كانا قد عقدا اتفاقاً سرياً: تتجلى ابتسامتها فيعشقها، فأسير خلفه، فيوجعني، فيضحك الرب.

إنها قمة السخرية أن توجع بالشئ الذي يفرح الآخرين.

عجيب هو الحب، يفرح به الذين في قلوبهم مرض، بينما المخلصون يألمون كما لم يألم الذين عشقوا من قبلهم.

وحيد ولدتُ على غفلة من الدنيا، ووحيدُ سأغادر دنياها بغير التفاتة منها لترثيني بكلماتها، سأظل وحدي هنا، فأناي وحدها أخلصت لي في خضم معاركي مع الرب، ولم تأسف.

الآن سأعلن هزيمتي، سألقي بسلاحي الذي يوجعني، الآن أرفع رايتي بيضاء لأسلم قلبي لها، بضع سنتيمترات تكفي ليرقد هانئاً بإرضاء الرب وهزيمتي.

تراودني صورتها الآن، تقف ممسكة بورقة صغيرة، وبصوت واثق: أنعى إليكم قلباً لم يكن يوماً مخلصاً، أنعى إليكم حباً فاشلاً، أنعى إليكم عقلاً متمرداً، وجسداً غارقاً في لذة الحياة.

لن أبكى، ولن أضحك، سأتبسم لأني سمعتها، فصوتها مازال يوقظني من موت الحياة.

سأصفق لها من بين جمهورها، وأصرخ بكل مافي من قوة: سيدتي، أنا العاشق السئ الحظ.


Share/Bookmark

الجمعة، 30 مارس، 2012

العاشق المصلوب!

 

tumblr_ll9ajyTubl1qiadk4o1_r2_500 قال الطبيب: لاشئ في قلبك سوى الكون.

قلت: أوكلما التقى عاشقان يوجعني قلبي.

قال: بل كلما افترق عاشقان اهتز قلبك.

على درب الحب بين امرأتين أسيرُ مضطرباً، محمل بثقل هواجس اللقا والافتراق. بين نقطة وداع ليست بعيدة ولحظة قربُ ليست قريبة، أركض داخلي لأحس هشاشتي، أستشعر ضعفي نحو إمرأة فارقتها وامرأة أتقرب إليها.

سأركض وحيداً بعيداً عني لأرغم القدر على أن يسير معي على حافة الحب، وأظل أصارع القدر بكل شظايا قلبي لأملك طريق الصعود إلى قلب امرأة ربما لا أعجبها.

بينهما تشابه كبير إلى حد لا معقول، لكل واحدة غمازتين يرقد عليهما ملاك يحسب ضحاياهما، كنت ضحية إحداهما، واليوم أشرد خلف واحدة أخرى، أهو تعلق بالغمازتين أم رغبة فى الانتحار على شفتي امرأة؟

مفتون قلبي بابتسامة المرأة خاصة تلك التى تملك غمازتين ينزوى الكون خجلاً منهما، أفتش فى وجوه النساء المبتسمة لعلي أجد بينهما ابتسامة مَنْ فارقتها، فتشردني ابتسامة مَنْ أتودد إليها فاتنة تخطف قلبي كلما تبسمت، ترهقني كلما حدقتُ في شمس وجهها.

هل أبحث عن امرأة فى أخرى ؟

قالت وهى طيف القمر فى امرأة:

لا تبحث عن حبيبتك فى امرأة أخرى.

قلتُ: مؤمن أنا بحبيبتي لا أشرك بها أخرى.

قالت: لعلك قاتل نفسك على أثارها.

قلتُ: سأقتل نفسى فى أخرى لأنساها.

قالت: بل ستحب أخرى لتنسى لسعة الحب القديم.

كانت تتنبأ بشئ ما راقد فى صحائف الغيب، تحس المرأة بالغيب كما الآلهة، ربما لأنهن خلقن من نور سماوي، أو لأن حواء الأم أخرجتها المعرفة وحبها من الفردوس السماوي.

أعود إلى بدء حيرتي، كيف أهرب من طريق حب امرأة لأسلك طريقاً أخر إلى حب أخرى؟ كيف أغزو قلب امرأة لا أعرف ماضيها؟ كيف أثقل قلبي بأثقال حب جديد وهو مازال ينزف حباً قديماً؟

أحاول أن أدرب قلبي على الحب خفية، ألا أوجعه بغمازة امرأة لا تعرف ضحاياها، إلا أنه يصر على المضى قدماً إلى الموت حباً.

أتوق إلى ذراع امرأة أحط عليه رأسى وألقى عليها هواجسي وظنوني، أتوق إلى لمسة من يدها تعيد إلي إيماني، أتوق إلى شفتي امرأة تبعث في ما مات مني، أشتاق إلى عيني امرأة تذبحني لأصرخ فيها: أحبك.

الحلم ليس جناية إلا فى بلاد العرب، فماذا يضير الناس لو مسست يدها، وقبْلت غمازتيها، وقلت: أحبك أكثر وأكثر.

الحب كالموت كلاهما يباغتنا عند حافة السكون، نحب حين تموت أرواحنا لتحيا أرواح مَنْ نحب، ونموت مرة أخرى ليحيا أحباء أخرون عما قليل سيعشقون ريثما تنتهى حبيبتي من جنازتي.

الحب أمرُ جنوني، أن تخرج من ذاتك إلى ذات أخرى لتسيرا معاً وحيدين فى صخب الكون، أن تؤمن بامرأة واحدة لاتشرك بها شيئاً، أن تغفر لها ولا تغفر لك، أن تحبها وتحب كلماتك، وربما لا تحب كلماتك، بل تحب أن تنسى فيك رجلاً أخر.

لا أريد أن أنزل من صليب امراة، لأعلق على صليب أخرى، فلست مسيح الحب، ولست مبشراً قلبي بموت جديد، خفيفاً سأمشى إلى مثواي بلا تدابير مرهقة للملائكة.


Share/Bookmark

الأربعاء، 14 مارس، 2012

حلمُ خفيف مع درويش!

darwish قال الطبيب: عليك أن تكف عن التدخين، وسماع درويش.

قلتُ: لِمَ ؟

قال: كلاهما يوجع القلب.

ودعتُ صديقي درويش بعدما رسم جدارية على سرير الغريبة، ربما أحبك أو لا أحبك، هكذا قال لي، عما قليل سأحس أثر الفراشة بعدما أرى ما أريد، أرى حبيبتى تنهض من نومها، كمديح الظل العالي، فتلك صورتها وهذا انتحار العاشق.

عاشق من فلسطين، كان درويش، أو ربما كانت فلسطين هى عاشقته، ريثما يمر أحد عشر كوكباً مروراً خفيفاً كزهر اللوز أو أبعد، فيترك فينا ورد أقل، فنضرب حصاراً ثقيلاً لمدائح البحر.

لماذا تركت الحصان وحيداً يا أبي؟

دلني أبي على قبري، وقال: ياولدي، لاتعتذر عما فعلت.

درويش ليس شاعراً عابراً، ليس ركام من الأبجديات السخيفة، درويش معنى وروح وجسد يحمل معنى الهوية.

درويش سطور حياة تنام على صدر الموت، قافية حداثية على سور عكا، تلة ترقد دافئة على خصر القدس.

ليس شاعراً مَنْ يغرد مع الموت كما يرقص مع الحياة، ربما هو إله سماوي طريد، أقنوم جديد لإله الكلمات اليوناني القديم.

أسيرُ ببطء مع درويش حول حياتنا لنراها ناقصة فينا، وكاملة فى الأخرى، قال: هل أنا وأنت واحد ياصديقي؟

قلتُ: يامحمود نحن أقل من اثنين فى أرض الوطن.

قال: دعك من الكلمات والقافية، واكتب الحقيقة.

قلتُ: وهل ثمة حقيقة ياصاحبي؟ إننا مغرمون بها، نركض ورائها، نمد إليها أذرعنا، ولكنها ملتبسة ليست كالحقيقة.

قال: حدثني عنا، هل أنا وأنت واحد؟

قلتُ: لسنا باثنين حتى ننال اعتراف سلطة الاحتلال، ولسنا بواحد حتى تمنحنا الآلهة حق الحب.

انسابت ضحكة دافئة من بين شفتي درويش، وقال: لاشئ يوجعنى، ولكنى تعبت من السفر.

قلتُ: خدعونا ياصديقي وقالوا فى السفر سبع فوائد، وكتموا عنا حقيقة أن فى الوطن سبع وسائد محشوة بالحنين الخفيف.

خالج الحزنُ محمود لوهلة، ودون أن ينبس، سمعتُ صدى كلماته: على هذه الأرض مايستحق الحياة.

تبسمتْ من خجله من كلماته، وقلتْ: ونحن سنحبها إذا ما استطعنا إليها سبيلاً، ولكن أتحلو الحياة والكلمات غير راضية عنا؟ أتحلو الحياة وحبيبتى تنهض من نومها تحدّق فى مرآة رجل آخر؟ أتحلو الحياة على صدر باريس؟

بابتسامة مشوبة بالوجع تمتم درويش: هل عاش من لم يقطف قبلة من شفتي سور عكا ؟

قلتْ: إذن ياصديقي قد أجبتْ عن سؤالك.

قال: كيف؟

قلتُ: أنا لم أعشْ، فلم أقبل سور عكا، وأنت لم تحيا، فلم تستطع إلى الحياة بعيداً عن سلطة الاحتلال سبيلاً.

قال: وإذن؟

قلتُ: نحن لاشئ ياصديقي حتى يضحك الرب، أو يرحم العدو.


Share/Bookmark

الأحد، 4 مارس، 2012

لم أصافحها، ولم أبكِ

21249118364كان الحنين إلى أشياء غامضة

ينأى ويدنو،

فلا النسيان يقصيني،

ولا التذكر يدنيني

من إمرأة إن مسّها قمرُ

صاحت: أنا القمر.”

                                          (محمود درويش، لماذا تركت الحصان وحيداً)

فى البدء ساد الظلام، وكان الظلام عند سواها، وكان لديها النور.

لمسة يدها، نظرة من عينيها، ضحكة من شفتيها، دمعة تمس خدها دافئة بحزن نائم فى صدرها، حنين إليها يملؤني.

كانت هى النور حين ساد الظلامُ الدنيا، كانت هى اليقين حين امتلئت النفوس بالشك، كانت هى الدفء حين نامت حواء على يد آدم، وكانت الحب حين كانت أجساد النساء.

كالإله الصغير كنتُ، أتخبط فى ظلماتي وحيداً، متفرداً بكبرياءِ وغرور، أعبد ذاتي، وأعشق أجساد النساء، رسمتهنّ على صورة فينوس، وضاجعتهن فى حضرة أفروديت، وصليت لها، وأطرقت خجلاً حين بكتْ وقالت: لم يفعل مثلما فعلتْ.

هناك على ناصية الأبدية جلسا سوياً، كان ذلك اللقاء الأخير بينهما، جاءت أو ربما غادرت لتعيد إليه بعض ما أرادت ألا تحتفظ به من أشياءه وذكرياته.

كانت صامتة، باردة كنجمة شردت عن سمائها، يدها لم ترتجف مثلما اعتاد عند مصافحتها، سرت برودة في يدها ليست كتلك التى اعتادها، وكأن شيئاً ما قد سلبها روحها فبقيت جثة باردة.

حاول أن يكسر برودة اللقاء بكلمات حارة، بيد أنه أحس ببرودة تسرى فى حلقه، حالت بينه وبين كلماته، أصابه جفاف عاطفي أمسك لسانه عن الكلام، وهى غارقة فى الصمت، إلا أنها بادرت وقالت: تلك أشياءك، أتذكر أنها كانت كذلك، أم كانت أقل؟

قال لها: ليتها كانت أقل ليكون الجرح أقل، أو ربما أحببتك أقل ليكون الشوق إليكِ أقل، أو ربما كان العمر أقل لأحترق أقل.

غريبة هى الحياة تدهشك بحبٍ مفاجئ، وتتخطفك من دنياك إلى دنياها. إلى دنيا إمرأة لا تعود بعدها إلى دنياك إلا وحيداً حزيناً مقهوراً، مغلوباً لم تنتصر.

ولا تقف الحياة عند هذا الحد، بل تستحيل جحيماً بارداً حين تفقد قلبك وروحك فى جسد حبيبتك، وتذهب بعيداً إلى صحراءها تتعذب وتشقى بقلبك فى جسدها.

لماذا تشقى حبيبتى؟

هل الحب شقاء؟ .. قلتُ لشيخي

قال: ياولدي الحب أوله فرح، وأوسطه طرب، وأخره جحيم يستعر.

قالت بكلمات متهالكة: كيف حالك؟

قال: هل أنتِ محقة فى سؤالك؟ هل تسألين عن حالي وقلبي يرقد بين جوانحك؟ لو تحسستي قلبكِ عرفتي حالي.

تبسمت ابتسامة باردة وقالت: ليس بيدي.

قال: يشق علي أن أراكِ تتصنعين الصمت وقلبك ينبض بي، أتعذب بكِ، أتوق إليكِ، هل نسيتِ لمسة يدي، ضحكتي، كلماتي لكِ حين ينام القمر على خد الليل.

لم تبكِ، كانت صلبة وعنيدة، وكان يعرف أن النار تتأجج بداخلها، لكنه صمتْ لأنها يحبها.

كنتُ أعرف أنها عنيدة وأعرف أنها ضعيفة كموج البحر، تقذفك بقوة بعيداً ثم تنتهى زبداً على شاطئك.

الصمت فى الحب فضيلة، لكنه فى الفراق نار تحرق العاشق، كانت صامتة، ربما كانت راغبة فى رؤيتي أحترق، لا، إنها جميلة وطيبة وقلبها ينام فى صدري، أحس بحنينها إليّ، أحس بشفتيها الدافئة، لماذا افترقنا؟

هل هناك أقسى من افتراق جسدين، وروح تغادر جسد حبيبها، هل كان ضروري أنا أحبها؟

قال شيخي: ياولدي لو لم تحب لم تحيا.

قلتُ : الحب عذاب

قال: تعذب حتى تفنى فى حبيبك فتتحد روحكما وتصيرا واحداً غريبأ عن نفسه.

قالت وعيناها تلمع حباً: سأرحل هل تود شيئاً؟

نظرتُ إليها وتعذبتْ وصمتْ.

لم أصافحها، ولم أبكِ.


Share/Bookmark

الاثنين، 20 فبراير، 2012

سأكتب لكم

abstract_0005 نعم لقد قررت أن أكتب، الأن سأكتب، ربما فى اللحظة التى لا يتنزل فيها وحي الكتابة سأكتب، ودون حاجة لأن أكتب، ودون فكرة سأكتب.

سأكتب، لا ليقرأني أولئك الحمقى، ولكن لأبوح للحمقى بأشياء ربما يود بعضهم معرفتها، وربما لا تهم بعضهم، لكنها صرخات تنطلق بداخلي، تريد الانعتاق عبر سطوري، عبر كلماتي الأسيرة.

سأكتب قصة الفلاح، ذلك الفلاح البسيط الذى يروح إلى أرضه كل يوم بعدما يصلى الفجر ويتناول لقيمات مع زوجته وأولاده ويتبادلون الابتسامات والكلمات الخفيفة، وفجأة تنقلب حياته ويسرق العمدة أرضه ويجلده فى وسط البلدة، نعم سأكتب عن ذلك الفلاح لتعرفوا معنى ظلم السلطة للفقير البائس.

لا، لن أكتب تلك القصة الباردة، كتبها كثيرون، ولن يحس أحدكم بالظلم فى رمزية تلك القصة.

سأكتب عن الفتاة الجميلة ذات العينين النجلاويين، والشعر الأسود المتهدل على كتفيها، سأحكى لكم عن حبها للفتى الأسمر، ونظراتهم المفعمة بالشوق، وعن قبلتهم الأولى، وعن حلم البيت الفردوسي، وعن ذلك الرجل الغنى ذي الكرش المتهدل الذى تزوجها واغتصبها من حبيبها، عندئذ ستعرفون معنى القهر.

لا، تلك قصة باتت باردة لن يشعر أحدكم فيها بمعنى القهر.

وجدتها، الأن سأكتب لكم عن الطالب المسيحي فى المدرسة الثانوية، يتقلب كل يوم فى جحيم الاستعارات الطائفية، والمزحات الإباحية عن علاقة أمه بقسيس، نعم سأحكى لكم كيف يتحرق كل يوم لوطن يحترم آدميته، ويعامله كإنسان، لكن القدر يلقى به فى بلد لاتقدر مامعنى الإنسان.

لا، هذه قصة تعرفونها كلكم، ولن تشعروا فيها بالمعنى الكامن خلف سحق إنسانية مواطن بسبب دينه.

سأكتب لكم عن العامل فى مصنعه، وعن الوجبة العفنة التى يقدمونها له فى وجبة الغداء، وعن أولاده الأربعة، وعن زواج بنته الكبرى، وعن معاناته مع التعليم الجامعي لأولاده، ستشعرون حتماً بمعاناة العامل، وستذرفون الدموع، وستبكى تلك الفتاة ذات الشعر الأسود الفاحم حين تقرأ كلماتي على الـ (ipad) حتماً ستبكى، هى إنسانة تشعر بمعاناة العامل الفقير البائس.

لا، لن يشعر صديقى الذى يرى العمال كل يوم بتلك المعاناة، فالعادة تقتل الإحساس.

سأكتب لكم عن الكاتب الموهوب، صديقى المثقف، يهوى الكتابة، مغرم بالقراءة، يحب نجيب محفوظ وطه حسين والعقاد ومحمود درويش وأمل دنقل، يكتب كثيراً ويقرأ أكثر، سيصبح يوماً كاتباً كبيراً، لا لن يصبح كاتبأ ولا كبيراً، بل سيصبح موظفاً حكومياً، يؤمر فيطيع، سينسى كل الـ (لا) التى قرأها فى شعر دنقل، وكل الفلسفة التى تعلمها من نجيب، سينسى كل شئ لينفق على أسرته.

لا، لن أكتب تلك أيضاً، لن تبكى صاحبة الشعر الأسود الفاحم، ولن يتأثر صديقي الذى اعتاد مشاهدة الموظف، ولن أبكى أنا أيضاً، فكلنا قتلت أحلامنا.

إذن ماذا أكتب ؟

كل شئ قد كُتب ولم يتغير العالم، ولم يسد العدل، ولم يتحرر البشر، لاحاجة للكتابة فكلنا نهذى فى عالم لا يقرأ، المهم أني كتبت شيئاً قد يقرأه أحد الحمقى فيعجبه، أولا يعجبه، فلا يهمنى رأي الحمقى.


Share/Bookmark

الاثنين، 23 يناير، 2012

ليلة شتوية في حضرة العاهرة!

 

“وعرفتُ أن الليالى

مذاقُ قطرةٍ من العسل، على اللسان تتلاشى.

أنّ الأشياء، دوماً، مُهدًّدةُ بالغياب

وأنني، ذات يومٍ، كنتُ هنا، في هذا المكان.

حيث لن أكون، أبداً، مرةً أخرى.”

                                                                           سركون بولص, عظمة أخرى لكلب القبيلة

كانت ليلة شديدة الظلمة، انزوى القمر فى حضن السماء، وضجت الشوارع بالناس، وغصت الحوانيت بأصحاب الأموال، بينما كنت أتسكع فى شوارع وسط البلد، أحدّق فى الوجوه، أتأمل المحال، أفتش فى عيون الناس عن شئ ما لاأعرف كنهه.

ساقتني قدماي إلى مقهى يبعد خطوات عن بناية نقابة الصحفيين، جلستُ معي فى ركن قصيّ أمارس هوايتي فى تأمل البشر، والنظر إلى وجوههم، لعلني أظفر بشئ ما مما أفتش عنه منذ سنواتٍ بعيدة.

جاءني فتى يافع يعمل فى المقهى تكسو وجهه سُمرة تنبئ عن أصله الصعيدي، وسألني عما أريد، طلبت قدحاً من القهوة، وحجراً من الشيشة.

لم ألبث إلا قليلاً حتى قدِمَ الفتى، ووضع القهوة أمامي، وحجر الشيشة إلى جوارى، وسألني عما إذا كنت محتاجاً لشئ أخر، فشكرته، وانصرف.

شربتُ على مهلٍ قهوتي، ونفثت دخانى، وبقيت أتابع سحب الدخان المنعقدة وهى تنحل رويداً رويداً حتى تتلاشى، وتغيب مع أشياءٍ كثيرة غابت ولا نعرف أين ذهبت.

على منضدة إلى جوارى كانا يهيمان فى سماء العشق، شاب وفتاة لايزالان فى مقتبل عمرها، بدت عليهما أحلام شباب الجامعة، الطفولية إلى حد بعيد، خيل إليّ أنهما يتفاوضان حول بعض قطع الأثاث فى شقتهما التى يحلمان بها، بدت الفتاة متشبثة برأيها، وبدا هو مفاوضاً جيداً، يداعب يديها، ويرمقها بنظراتٍ يملؤها الحنين إلى شفاهها.

أمام منضدتهما كان يجلس جمعُ من الشباب المتحمس، هكذا رأيتهم، صوتهم العالى، واحمرار وجه بعضهم فى وطيس المناقشات يشى بالثورة الرابضة فى الصدور، منتظرة لحظة الانفجار، ربما ثورة على الأباء أو العادات أو الفتيات، أو ربما يحدو بهم الجنون لأن يثوروا على الحكومة!

وإلى جوار منضدة الشباب الثائر، تحديداً المنضدة التى تقع أمامي، كانت تجلس بمفردها، ربما كانت تجلس معها مثلما أجلس معي، نفثت دخان شيشتها ورمقتني بنظرة، وتبسمتْ.

لم يكن غريباً علي ذاك الموقف، فقد خبرتُ وسط البلد لسنوات عديدة، وعِرفتُ خبايها، وسراديبها، وأروقة المزاج والمتعة فيها.

بنظرة الخبير العارف، ترقبت نظرتها التالية، وبسمتها الآتية. كانت لحظات الصيد ممتعة، فلذة الانتظار لايضاهيها إلا نشوة الظفر بالغنيمة. هكذا تعلمت فى مدرسة وسط البلد.

وفى لحظات الانتظار، التفت، وألقت نظرة مشوبة بابتسامة ساحرة، كانت تلك إشارة البدء، وسرعان مانهضت من مجلسي، وقصدت مجلسها، تبسمت لها وقلت بصوت الصائد الماكر: أقعد؟

رقصت عيناها فرحاً، وعلّت الابتسامة وجهها، وقالت وهى تلملم ذاتها: اتفضل.

تبودلت الكلمات المعتادة، وضحكنا وجلجلت ضحاكتنا، ثم نادت فتى المقهى، وطلبت الحساب، وكعادتهنّ تظاهرات بإخراج النقود، وكعادتي بادرت بدفع الحساب، وقمنا سوياً نترنح من الضحك.

وكأننا فى مسرحية نتقن أداء أدوراها، صار كل شئ كما يجب أن يكون، سِرنا سوياً إلى محل يبيع الخمور، يعرف رواد وسط البلد جيداً موقع ذاك المحل، بخطوات متناغمة، وكأن قدمينا تحفظ طريقنا عن ظهر قلب.

أحضرنا عدة زجاجات من البيرة، وزجاجة وايّن، وسألتها إن كانت لها رغبة بالحشيش، فزمّت شفتيها، وهزت رأسها رفضاً، وانتهينا إلى سيارتي، وقصدنا منزلي.

داخل الصالة الفسيحة، خلعت معطفها، وبدت تقاسيم جسدها فى ثوبها الضيق أشد جمالاً، لماذا يرتدون تلك المعاطف الحاجبة لنور أجسادهنّ؟

فتحنا زجاجات البيرة، وتجرعنا منها حتى ثملنا، ثمّ صبت لكل منا كأس من الوايّن، شربناه على عجلٍ، وتحركنا ببطئ إلى غرفة النوم.

كانت حركاتها تنبئ عن خبرة واسعة بعملها، تجردت من ثوبها، ومن ملابسها الداخلية، ووقفتْ عارية تماماً، وقالت:

تحب ألبس قميص نوم، ولا نخلص علطول.

ضحكت بصوت جنوني، كان ذلك تأثير الكحول، وقلت: تعالى تعالى.

لم تنتظر حتى أخلع ثيابي، اندفعت نحوي وأمطرتني قُبلاً، وأمطرتها أنا الأخر.

كان الأمر أشبه بمنافسة بين متصارعيّن، كلاهما يود الفتك بالأخر ليظفر بجائزة ما، ومع ذلك كانت مضاجعة ملئية بالدفء فى تلك الليلة الباردة، حتى أن تلك الرعدة المفقودة لدي منذ عهد بعيد، عادت إليّ تلك الليلة.

سائلتني وهى متكئة على السرير: ليه كنت بتبصلى وإحنا شغالين؟

كان من المحال فى تلك الليلة أن أوقف سيل الضحك، ضحكت كعادتي، وقلت بأنفاس لاهثة متعبة: لدي متعة لاتضاهيها إلا متعة الجنس، أعشق وجه النساء حين يتقلص من أوجاع المضاجعة.

انفلتت منها ضحكة رقيعة، وقالت: باين عليك مش عاتق، بس إيه ياخويا بتتكلم زي الناس الخنيقة كده ليه.

قلتُ: أنا معيد فى الجامعة، وبدّرس فلسفة للطلبة، وناشط بحركة الدفاع عن العمال والفلاحين.

قاطعتني بسرعة، وكأنها تتقيأ نفس سيجارتها، وقالت: يخربيتك إنت من الملاحيس بتوع السياسة.

وواصلت بسرعة لم تمنحني لحظة للجواب: تلاقيك لايف على بت من الحلوين اللى بيطلعوا فى التلفزيون ويقعدوا يرغوا فى السياسة.

كانت نبوءتها فى محلِها، كنت فى علاقة مع صديقة تعرفتُ عليها فى مظاهرة لدعم القضاة إبان أزمتهم مع النظام، وكانت علاقتنا متشابكة ويشوبها الارتباك، وبالكاد كنا نتفاهم فى مرات قليلة، عندما تتجرد من ثياب الناشطة، وثياب أخرى.

قطعت شرودي، وقالت: إنت باين عليك غرقان لشوشتك، بس أنا عايزة أسألك سؤال.

بفتور أجبتها: اسألي.

قالت، وقد ارتسمت الجدية على وجهها: إنت ترضى تتجوز واحدة زيي؟

اجتاحتني الدهشة، وترددت فى الجواب، فقاطعتني: لا طبعا، هو فى واحد يسيب صاحبته المثقفة، ويتجوز واحدة عاهرة.

بسرعة غريبة قلت لها: هى أيضا عاهرة لكنها تجيد الفلسفة.

2313041055_9907de7da4_o


Share/Bookmark

الجمعة، 20 يناير، 2012

“أنا” و “أنا” !

" أَرى السماءَ هُنَاك في مُتَناوَل ِ الأَيدي.

ويحملُني جناحُ حمامةٍ بيضاءَ صَوْبَ

طُفُولَة ٍ أُخرى . ولم أَحلُمْ بأني

كنتُ أَحلُمُ . كُلُّ شيء واقعيُّ . كُنْتُ

أَعلَمُ أَنني أُلْقي بنفسي جانباً .....

وأَطيرُ . سوف أكونُ ما سأَصيرُ في الفَلَك الأَخير ."

                                                                                      محمود درويش

فى وسط ذاك الركام الهائل من المشاغل التى تحدّق بي، كان لابد لي من أن ألتقي بي لأتبادل كلمات وأناقش أفكار طالما احتجت إليها، وطالما حيرتني.

جذبت نفسي بعيداً عن صخب المحيطين بي، وجلست معها فى غرفةٍ ضيقة تكسو جدرانها كتب كثيرة، بعضها ينبئ عن هوية متدين سلفي، وبعضها عن هوية كاتب يهوى الأدب والفلسفة.

أشعلت سيجارتي، وحدّقت فى وجهي وفى نفسي، بدت لي نفسي غريبة عليّ، شخص أخر غيري، شخص يرابض فى مكان غير جسدي، يبدو ثائراً راديكالياً فى أحيان، وإصلاحياً فى أحيان اخرى.

تأملتني مرة أخرى، وأمعنت النظر في فلم أحس نحوي بأية مشاعر قد تخامرني لأحبني.

لماذا تفعل ماتفعل؟

كان هذا السؤال الأكثر إلحاحاً من جانبي، وكان الجواب الأكثر هروباً وتفلتاً مني. لماذا أفعل ما أفعل، هل أبدو لي كما يراني بعض من يقربني. لا أرى نفسي كما يراني هم، وهم يلحون دائماً علي أنني أنا، ومع ذلك ففي جلستي مع نفسي لا أعرفني.

أبدو أقل ثورية، أقل عشقاً للأدب، أقل شغفاً بالموسيقى، أقل ولعاً بالكتابة، حتى أنني أكاد أظن أن ثمة مرض قد فتك بي حتى تبدلت نفسي، واستحالت أخرى.

لا شئ ثابت، تلك القاعدة الأساسية فى حواراتي معي، إلا أن الحقيقة الثابتة الوحيدة فى حواراتي معي دوماً هى كراهيتي للموت، كراهيتي لمفارقة الحياة، رغم أني لا أجد فيها مايبعث على البقاء فيها، بيد أني لم تستبد بي يوماً رغبة للفرار مني إلى حياة أخرى.

ربما السبب وراء ذلك غموض علاقتي مع الإله، فعلاقتي به مرتبكة ومتغيرة، تتبدل بصورة مضطردة، من بُعد إلى قرب بجنون، إلى فقدٍ لهوية الرب، إلى محاولة للبحث عن كنه الذات الغارقة فى السماوات، حتى تصل إلى درجة من العدائية تستحيل حباً صوفياً فى بعض الأوقات.

علاقتي المرتبكة ليست مع الله وحده، بل تكاد تكون كل علاقاتي تقريباً بمن حولي مشوبة بالارتباك والغموض، لا أعرف لماذا أتقرب من أناس لا أحب نفسي حين أكون معهم، ولا أعرف لماذا أبقى قريبُ من نساءٍ لا أحتاج إليهنّ ولا يحتاجون إليّ، كلانا يمثل دور العاشق سئ الحظ الذى يبحث عن صديق يعوّض نقص الحبيب.

أشارك بجدية فى مسرح منْ حولي متقمصاً دور الصديق والأخ فى مسرحيتهم السخيفة، أحس بخفة من حولي حين لانتقن أدوارنا، فحين تلتقى العيون ويحس كل منا بأننا لسنا بارعين فى أداء أدوارنا أشعر بانسحاقي داخلي، وبرغبة مُلحة فى تقديم قربان لمن كشف حقيقة دوري فى مسرحه.

وذاك الشعور لا أفهمه، إذا كانت لدي بالفعل رغبة فى الانزواء بعيداً عن هذا الصديق، لِما أحزن حين يوشك رحيله\ رحيلها.

فترات التحول في حياتي كثيرة، ومن نقيض إلى نقيض، ربما بتدخل إلهيّ، أو بهوى داخلي للتقلب داخل رقعة الحياة بإرادة تبدو إرادتي.

أفعل أشياء لأحس بمشئيتي وإرادتي، أحب حين أكون خفيفاً لاشئ يعجبني، أكتب، أقرأ، أحب، أكره، أركض، أقف، أمشى، أهرول إلى إمرأة لاتعجبني، أقبل إمرأة تحبني ولا أحبها، أفعل أشياءً كثيرة لأحس بخفة الأشياء وثقل الهواجس.

ضحكتْ نفسي، وقالت ألا تكف عن حب درويش، ألا تكف عن محاكاته فى أشعاره، فقلت لها سخرتُ من هوسي بهِ لكني أحس بإرادتي ومشيئتي حين أقرأه، أو أحاكيه، يشعرني بذاتي، بحقيقة أن ثمة أناس يستحقون الحياة، أو أن ثمة أشياء تستحق أن نحيا من أجلها.

تململت من طول الوقت، فلم أعتد الحوار معها، خامرني ضجر، فقلت لها: هل فهمتِ شيئاً مما قلتهُ لكِ، تبسمتْ وقالت: إن فهمنا أنفسنا قتلتنا الحقيقة، وداعاً.

ونهضت من مكانها، وألقت سيجارتها على الأرض، ورحلت.


Share/Bookmark

الأحد، 1 يناير، 2012

فى رثاء مريم !

161980_167037560008401_968295_n

ضحكتها حرية الشهداء على خد مريم العذراء

عينيها نور الرب فى آيات سورة النساء ..

شفتيها كوردة طاف شذاها فأيقظت ملائكة السماء..

هادئة كضحكة مصر حين ترتاح على خد النيل..

روحها مداعبة الصغير لثدي أمه وهو غارق فى نومه..

أرثاء الملائكة كرثاء البشر؟

أروح الطفولة كروح الكهول؟

أبتسامة مريم كابتسامة غيرها؟

مر عام على رحيل الملاك، ويدُ ملوثة بدمها ماتزال تعبث بجسد وطن نزف جميلة من أجمل بناته.

كيف اختارتها يد الموت من بين هؤلاء.. هى مهد الحنان، ومعبد المحبة، ونور الله فى مشكاة الحياة.

كلما تأملت صورتها أحسست أن الله يكلمنى، أن الله يخبرني بأن مريم هناك تلهو مع أطفال الجنة.

يخيل إلي أنها تحنو عليهم وتداعبهم وتركض بينهم باسمة، والله هناك يضحك.

مريم فكرى .. شهيدة كنيسة القديسين 2011


Share/Bookmark